أزمــة البحـث العلـمــي في مـصــر
مقالان لي نشرا في جريدة المصريون الإليكترونية بتاريخ 29-05-2011 و 03-06-2011 عن أزمة البحث العلمي في مصر ، حاولت فيهما أن أحدد أسباب هذه الأزمة وأن أحدد خارطة طريق للتعامل مع هذه الأزمة شكل إستراتيجي
أزمة البحث العلمي في مصر – 1
منذ نجاح ثورة 25 يناير في إسقاط نظام مبارك وظهرت علي الساحة السياسية في مصر العديد من النقاشات والحوارات حول أيدولوجية النظام السياسي القادم وهوية الجمهورية الجديدة ، وهذه النقاشات أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن كل التيارات السياسية في مصر تتمتع بصحة جيدة ، إن جاز التعبير ، وتتمتع برؤية واضحة لأهداف كل منها ، وهو أمر يدعو للتفاؤل بشأن المستقبل السياسي لمصر ، ولا يجب أن ننسي أن ثورتنا كانت بمثابة الإستقلال عن احتلال داخلي دام ثلاثة عقود ، ولا يجب أن ننسي أيضاً أن ثمن الحرية والإستقلال دائماً ما يكون باهظاً ، ولنا في الثورة الفرنسية خير مثال. إذن فهذا التوتر الظاهري والإشكاليات الفكرية التي تطفو علي سطح الحياة السياسية الآن لا يجب أن تدعو للقلق ، بل تدعو للتفاؤل في حقيقة الأمر.
بيد أن ما يدعو للقلق حقاً هو الأزمات التنموية العديدة التي تمر بها مصر ، سواءاً علي المستوي الإقتصادي أو الأمني أو العلمي ، وهي أزمات لم تولد مع الثورة كما يدعي بعض المخذلين ، ولكن ولدت في حقيقة الأمر في ظل نظام عابث لا يعبأ بمصلحة الإنسان المصري ولا يهتم إلا بمصالح رجاله الشخصية ، وجعلت هذه الأزمات مصر تفقد خط سيرها في طريق التنمية المستدامة الذي قطعت فيه العديد من الدول الأخري شوطاً جباراً خلال العقود الثلاثة الماضية. إن البحث العلمي يعتبر واحداً من أهم المجالات التي فشل النظام السابق في وضع تصور لتطويرها لتتواكب مع المستجدات العالمية ولتحقق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة للألفية الثالثة ، ويمكن القول – بالكثير من الواقعية – أن البحث العلمي في مصر يعاني حالياً من أزمة كارثية تهدد مستقبل مصر علي كل المستويات. هذا المقال يقدم وصف لأهم أعراض أزمة البحث العلمي في مصر ، وتشخيص لأسبابها.
من الضروري للغاية أن يكون هناك معايير واضحة لتقييم البحث العلمي في مصر حتي نتمكن من تشخيص ومعرفة أبعاد الأزمة العلمية التي تمر بها البلاد ، وعادة ما يقيم أداء البحث العلمي لدولة ما بمعيارين : الأول والأهم هو عدد براءات الإختراع التي تسجلها تلك الدولة سنوياً ، والثاني هو عدد البحوث العلمية التي يتم نشرها في دوريات (مجلات) علمية متخصصة ومحكمة سنوياً ، فبهذين المعيارين يمكن تقييم أداء دولة ما – بمقارنتها بدول أخري – بالنسبة للبحث العلمي ، وإذا أردنا اختيار عدد من دول لمقارنة مصر معهم بالنسبة للبحث العلمي ، فيجب أن نختار دول تشترك مع مصر في قيمة الدخل القومي حتي يكون هناك معني حقيقي للمقارنة ، وحتي نستطيع أن نتعرف – بشكل مقارن – علي مستوي البحث العلمي في مصر.
في عام 2009 كانت قيمة الدخل القومي المصري 182.23 بليون دولار ، وهو يقترب جداً من الدخل القومي لكلِ من ماليزيا وسنغافورة في نفس السنة ، فماليزيا بلغ دخلها القومي 193 بليون دولار ، وسنغافورة 182.3 بليون دولار ، أي نفس الدخل القومي المصري تقريباً ، طبقاً لإحصائيات البنك الدولي. فإذا نظرنا لعدد براءات الإختراع الدولية التي سجلت في مصر في نفس العام سنجد أنها 321 براءة اختراع ، بينما ماليزيا سجلت 2086 براءة ، وسنغافورة سجلت 5609 براءة في نفس العام طبقاً لاحصائيات المؤسسة العالمية للملكية الفكرية. أي أن أداء البحث العلمي في مصر كان أقل من نظيره في ماليزيا حوالي ستة مرات ومن نظيره في سنغافورة حوالي سبعة عشر مرة !!
أما بالنسبة لعدد البحوث العلمية المنشورة في دوريات علمية محكمة ، فأداء مصر كان أفضل نوعاً ما ، حيث نشرت الجامعات والمؤسسات البحثية المصرية 7411 بحثاً في كل أفرع المعرفة خلال عام 2009 ، بينما نشرت الجامعات والمؤسسات البحثية الماليزية 9814 بحثاً ، ونظيرتها السنغافورية 11,826 خلال نفس العام ، طبقاً لقاعدة بيانات SCImago.
إذن يتضح لنا أن مصر في أزمة كارثية للبحث العلمي ، خاصة بمراقبة المعيار الأهم لتقييم البحث العلمي وهو عدد براءات الإختراع ، وتكمن أهمية هذا المعيار في أنه يعبر عن الفرص المتاحة أمام الإستثمارات الصناعية في استغلال براءات الإختراع المسجلة في مصر لتحقيق تقدم نوعي في مجال الصناعة ، بينما يعبر عدد البحوث المحكمة فقط عن نشاط الباحثين في الجامعات والمؤسسات البحثية ، أكثر ما يعبر عن علاقة البحث العلمي بالنهضة الصناعية والتنمية المباشرة.
ماهي أسباب أزمة البحث العلمي في مصر ؟؟ في الواقع يمكن تلخيص الأسباب في سببين رئيسيين الأول هو التدني الشديد للإنفاق الحكومي علي البحث العلمي ، حيث لم يتعدي هذا الإنفاق 0.2% من إجمالي الدخل القومي (أي حوالي 0.9 بليون دولار) خلال عام 2009 ، بينما أنفقت سنغافورة حوالي 2% من قيمة دخلها القومي علي البحث العلمي في نفس السنة (أي حوالي عشرة أضعاف الإنفاق المصري) ، وأنفقت ماليزيا حوالي 0.61% من دخلها القومي (أي حوالي ثلاثة أضعاف الإنفاق المصري) ، طبقاً لإحصائيات مؤسسة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.
أما السبب الثاني لتدهور البحث العلمي في مصر هو الإنخفاض في حجم الإنفاق علي التعليم الحكومي ، حيث لم تتجاوز ميزانية التعليم في مصر 3.7% من إجمالي الدخل القومي في عام 2009 ، بينما بلغ الإنفاق علي التعليم الحكومي في ماليزيا 5% من إجمالي الدخل القومي ، وفي سنغافورة تعدي حجم الإنفاق علي التعليم 3.2% من إجمالي الدخل القومي ، ولكي ندرك فداحة مشكلة الإنفاق علي التعليم الحكومي – التي قد لا تكون واضحة بالأرقام السابقة فقط – يجب أن نأخذ في الإعتبار التباين الشاهق في عدد السكان بين الدول الثلاث ، حيث يبلغ في مصر حوالي 85 مليون نسمة ، وفي ماليزيا حوالي 26 مليون نسمة وفي سنغافورة حوالي 4.5 مليون نسمة فقط !
إذن متوسط نصيب المواطن المصري من ميزانية التعليم لا يتعدي 80 دولار سنوياً ، بينما يبلغ نصيب المواطن الماليزي من ميزانية التعليم 372 دولار سنوياً ، والمواطن السنغافوري 1300 دولار سنوياً ! ياله من فارق مخيف !!
إذن ماهي الخطوات والآليات اللازمة للتعامل مع أزمة البحث العلمي في مصربما يضمن وضع مصر علي طريق التنمية المستدامة والتطور العلمي مرة أخري…؟! هذا ما أجيب عنه في المقال القادم إن شاء الله…
أزمة البحث العلمي في مصر – 2
قمنا في المقال السابق بتشخيص الحالة المتردية التي وصل إليها البحث العلمي في مصر بسبب ثلاثة عقود من التخريب المتعمد لهذا القطاع الحيوي والضروري لتطور الدولة في كل المجالات ، وفي هذا المقال نسعي لرسم خارطة طريق لإعادة هيكلة قطاع البحث العلمي وتفعيله بحيث يحقق تطوراً ملموساً يمكن قياسه خلال السنوات القادمة.
إن البحث العلمي بأهميته الفائقة لابد أن يكون مستقلاً عن النظام الساسي للبلاد ، تماماً كالجيش والقضاء ، لأن مخرجات منظومة البحث العلمي إنما تصب في صالح الشعب مباشرة ، ولهذا فلابد أن تكون تلك المنظومة تعمل من أجل الشعب ومن أجل نهضة البلاد بصرف النظر عن الأحداث السياسية التي قد تمر بها البلاد وبصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم ، ومنظومات البحث العلمي في أي دولة متقدمة في يومنا هذا تنقسم رأسياً إلي طبقتين : الأولي معنية بوضع السياسات المتعلقة بالبحث العلمي بشكل عام ، وتحديد مجالات البحث الأكثر أهمية والتي يجب أن تكون لها الأولوية العظمي في التنفيذ والتطبيق ، أما الطبقة الثانية فهي معنية بإدارة أنشطة البحث العلمي في البلاد ، كتقييم المشاريع البحثية ، ورصد الميزانيات لإجرائها ، والعمل علي استغلال براءات الإختراع التي تنتج من البحوث ، وما إلي ذلك من الأنشطة الإدارية المتعلقة بالبحوث.
فالطبقة الرأسية الأولي لمنظومة البحث العلمي هي التي يجب أن تكون مستقلة عن النظام السياسي تماماً ، ويجب أن تضم في عضويتها كل أعضاء السلك الجامعي ممن وصل إلي درجة الأستاذية وقام بنشر عدد مناسب (عشرين مثلاً) من البحوث في دوريات عالمية محكمة ، وقام بالإشراف علي عدد من طلبة الماجيستير والدكتوراه. هذه يمكن أن يطلق عليها “هيئة الحكماء” ومهمتها تحديد أولويات البحث العلمي في البلاد وتقدير الميزانية المطلوبة لكل أنشطة البحث العلمي ، وتخضع هذه الهيئة لإشراف البرلمان. أما الطبقة الثانية فيجب أن تشمل وزارة البحث العلمي ، والمركز القومي للبحوث ، وعدد من الجامعات الكبري ، وعدد من شركات قطاع الأعمال العام أيضاً ، ويمكن أن يطلق عليها “المؤسسة القومية للبحث العلمي” ، وتقوم هذه المؤسسة بتلقي أولويات البحث العلمي من هيئة الحكماء ، ثم تفصيل هذه الأولويات إلي تخصصات نظرية وتطبيقية ، وأطروحات بحثية ، تقوم بطرحها علي جميع الكليات والمعاهد والمؤسسات البحثية في البلاد ، حيث يقوم الباحثين بإعداد مشاريع بحثية تفصيلية يقومون بتقديمها للمؤسسة حيث يتم تقييمها ورصد الميزانيات لأفضل المشاريع المقدمة.
أما التقسيم الأفقي للبحث العلمي فهو تقسيم يعني بالتخصصات العلمية المختلفة ، فتكون التخصصات الطبية والصيدلية والعلوم الحيوية كلها تحت مظلة بحثية واحدة ، وتكون التخصصات العلمية النظرية (كالفيزياء والكيمياء والرياضييات مثلاً) تحت مظلة علمية أخري ، وكذلك العلوم الهندسية ، والعلوم العسكرية ، إلي آخر التخصصات. هذا التقسيم ضروري للغاية لأن تحديد أولويات البحث العلمي يجب أن يأخذ في اعتباره تقاطع التخصصات وأهمية أن يضم كل فريق عمل أعضاء من تخصصات متكاملة ، حتي يكون الناتج النهائي جدير بالتطبيق ، فمثلاً لتصميم وتطوير أول محرك سيارة مصري ، يجب أن يضم فريق العمل متخصصين في هندسة المواد ، وتقنيات الإحتراق والوقود ، ومتخصصين في التحكم والهندسة الكهربائية ، وكذلك الحال عند تطوير دواء جديد من خامات مصرية ، يجب أن يضم فريق العمل كياميائيين وصيادلة وأطباء ، فهذا التقسيم الأفقي حيويٌّ للغاية تماماً كالتقسيم الرأسي المعنيّ بتخطيط والإدارة.
من المهم حتي نتصور آلية عمل المنظومة المقترحة للبحث العلمي أن نضرب مثالاً لعمل هذه الآلية ، فيمكن أعطاء هذا المثال بخطوات محددة كالآتي:
1- يتم تشكيل هيئة الحكماء كما سبق ، وتقوم الهيئة خلال ستة أشهر بتحديد أولويات البحث العلمي لمصر خلال الخمسة أعوام القادمة ، وذلك من خلال اجتماعات ومناقشات مستمرة لأعضاء الهيئة.
2- بعد انتهاء المهلة تقوم هيئة الحكماء بإعلان أولويات البحث العلمي لمصر في كل المجالات ، والميزانية المطلوبة لتحقيق هذه الأولويات ، من خلال مؤتمر صحفي ويتم نشر بيان رسمي بهذه الأوليات في الصحف الكبري.
3- تقوم المؤسسة القومية للبحث العلمي من خلال وزارة البحث العلمي بتخصيص الميزانية العامة للبحث العلمي ، وتقوم بتقسيم هذه الميزانية بين المجالات العلمية المختلفة بحسب توصيات هيئة الحكماء.
4- تعلن المؤسسة القومية للبحث العلمي عن مسابقات لتقديم مشاريع بحثية لتحقيق أولويات البحث العلمي لمصر عن طريق الجامعات والمعاهد والمؤسسات البحثية ، وتكون مدة الإعداد لهذه المسابقة ثلاثة أشهر ، يتقدم بعدها كل الباحثين بمشاريعهم التي تتوافق مع أولويات البحث العلمي.
5- يتم اختيار أفضل المشاريع من خلال لجان تحكيم مكونة من أساتذة جامعيين – كلٌ في تخصصه – وذلك مع مراعاة ضوابط الحيادية في التحكيم.
6- يتم تخصيص ميزانية مناسبة لكل بحث – بحسب توصيات مقدمي البحث – ويتم إعلام كل باحث بالمدة المخصصة لإنهاء البحث وموعد تقديم التقرير النهائي ، ويقوم الباحثين بعرض تطورات مشاريعهم كل ستة أشهر علي لجنة تقييم من المؤسسة الثومية للبحث العلمي.
من المقال السابق اتضح لنا أن أسباب تخلف البحث العلمي في مصر تتلخص في الإنخفاض الحاد في ميزانية البحوث والتطوير بالمقارنة بالدول الأخري ، لهذا يجب علي “هيئة الحكماء” مراعاة هذا الإنخفاض الحاد وطلب تخصيص ميزاينة لا تقل عن 2% من إجمالي الدخل القومي السنوي لمصر لأنشطة البحث العلمي المختلفة. وبالنسبة لهيئة الحكماء ، فيمكن الإستعانة بالعلماء المصريين المقيمين بالخارج – وهم من أفضل علماء العالم في كل التخصصات – في المشاركة في تحديد أولويات البحث العلمي المصري ، ويمكن أيضاً الإستفادة من خبراتهم في مراحل أخري من مراحل التخطيط للبحث العلمي في مصر ن وذلك من خلال عضويتهم الدائمة في هيئة الحكماء.
—-
روابط المقالين علي موقع جريدة المصريون
الجزء الأول: http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=61896
الجزء الثاني: http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=62807
نقد أفلاطون وسقراط للديمقراطية : المساواة المستحيلة
لكي نفهم بوضوح لماذا يري افلاطون أن الديمقراطية كفلسفة ونظام سياسي مثيرة لأقصي درجات الإعتراض المنطقي والعقلي ، يجب أن نفهم أولا ماذا تعني الديمقراطية بالنسبة لأهم علم من أعلام الفلسفة الغربية في التاريخ : الديمقراطية بالنسبة للفلسفة اليونانية تعني حكم الشعب بالمعنى الحرفي ، أكثر مما عليه الحال الآن بالنسبة لمواطني معظم الدول الحديثة التي تدعي أنها ديمقراطية.
إن تهمة أفلاطون ضد الديمقراطية هي ببساطة أنها – أي الديمقراطية – تنتهك النظام الطبيعي الصحيح في أي مجتمع وذلك باختلاق مساواة إصطناعية بين أفراد هذا المجتمع. إن انتقاد أفلاطون الأساسي للديمقراطية هو شكل مضاد للدستور الديمقراطي
الذي يقوم على افتراض أن من حق كل المواطنين – على حد سواء - أن يكون لهم رأي في الشؤون السياسية ، مهما كان رأي كل منهم غير ملائماً من حيث قدرة صاحبه العقلية ، أو طبعه أو تدريبه ، وهذا الحق يُـكفل له بشكل أساسي مهما كان هذا المواطن جاهلاً ، وبذلك فإنه قد يجد نفسه لا يزال يلعب دورا هاما في الشؤون العامة للمجتمع ككل ، وبهذا فقد أصبح المفتاح الرئيسي لمستقبل سياسي ناجح يكمن في أن يكون المرء قادراً على التحدث بشكل مقنع بالنسبة لمثل هذا المواطن الجاهل ، لهذا السبب أصبح فن الخطابة ذو قيمة عالية جداً في العمل السياسي الديقمراطي دون غيره من المهارات التخطيطية أو العلمية فضلاً عن الدينية بالطبع.
النظام السياسي الذي يتجاهل الفروق العلمية والإدراكية لأفراد المجتمع ، ويتجاهل القيمة النسبية لبعض أفراد المجتمع ، بل وفرض نوع من المساواة غير المشروطة بين أفراد هذا المجتمع قد أثار اشمئزاز أفلاطون. إن أفلاطون وسقراط شعرا بأن جميع الناس ولدوا مع قدر متساوٍ من المعرفة ولكن أيضاً كانا علي يقين أن ليس كل الناس ظلوا على اتصال مع المعرفة التي يمتلكها كل منهم بحيث تتطور بنفس القدر وتنمو بنفس المعدل ، وعلي مدار أعظم أعماله ، كتاب “الجمهورية” أصر أفلاطون علي رفض فكرة المساواة بين كل الناس ، وبدلاً من فكرة أن “كل إنسان هو في الأصل خيـّر” طرح أفلاطون فكرة أن “كل إنسان من حقه أن يكون خيراً” ، التي تنفي المساواة المطلقة التي يتبناها النظام الديمقراطي من الأساس.
ويعتقد أفلاطون أيضاً أن النظام الدبمقراطي يقود البلاد التي يحكمها بحسب “أهواء” و”شهوات” الشعب وليس بحسب المصلحة العامة التي – في أغلب الأحيان – لا تتماشي مع تلك الأهواء والشهوات ، ويتفق بهذا مع سقراط إذن أنه يعتقد أن الإنسان له ثلاثة جوانب: الروح و العاطفة والعقل الذكاء ، كل جانب من هذه الجوانب يجب علي الإنسان أن يوظفه باعتدال حتي يقود إلي النجاح والصحة للإنسان ، حيث يجب علي المنطق/العقل أن يسيطر علي الشهوة ، ويجب علي العاطفة أيضاً أن تعين العقل في السيطرة علي الشهوة ، وهذا المثال – في نظر سقراط – يماثل تماماً وضع الدولة إذ أنه سعتقد أن الإنسان يعتبر دولة مصغرة داخل نفسه ، حيث تماثل العدالة الروحية للإنسان العدالة السياسية والإجتماعية في الدولة ، بينما علي النقيض: تماثل حالة طغيان الشهوة علي روح الإنسان حالة تسلط إرادة الدهماء علي الدولة ، فالشهوة الإنسانية عند سقراط يماثلها “رغبات” الشعب بالنسبة للنظم السياسية ، التي يجب أن يسيطر عليها الحكماء ونخبة العلماء الذين يدركون بعلمهم وحكمتهم “المصلحة العامة” كما يدرك العقل بمنطقه السليم “مصلحة الروح” و “الجسد”.
يقول الدكتور أندرياس سوفرنيو في كتابه “الفلسفة العلاجية للفرد والدولة” : “إن أفلاطون قد رفض الديمقراطية بشكل كامل ، ورفض بشكل خاص المبدأ الذي يكفل لأي مواطن حرية التعبير عن رأيه السياسي وممارسة التأثير الحتمي لهذا التعبير في تقرير سياسات الدولة ، وذلك لأن أفلاطون إعتقد أنه من الواضح جداً أن ليس كل المواطنين قد تم إعدادهم وتدريبهم علي الحياة الإقتصادية أو العسكرية أو قد تم إطلاعهم علي الوظائف المختلفة للحكومة – علي سبيل المثال – وبالتالي فإنهم لا يخضعون في آرائهم السياسية للمنطق المناسب لهذه المجالات ، وبالتالي فلا يمكن الإعتماد علي تلك الآراء في اتخاذ القرارات الصائبة للحكومة”
ويقول البروفيسور إريخ كوفميل أستاذ الفكر السياسي بجامعة سسكس بالمملكة المتحدة في كتابه “الفكر اللاديمقراطي”: “إن أفلاطون قد وجه العديد من الإنتقادات للديمقراطية ، ولكن يمكن تلخيص إنتقاداته في أربعة أطروحات محددة ، هي:
1- النظام الديمقراطي هو نظام تعددي يفتقر لأي نوع من الوحدة السياسية
2- الديمقراطية تجنح دائماً للإستجابة ولاتباع (رغبات) الشعب و(تقلباته) ولا تستجيب (للمصلحة العامة) التي غالباً لا يدركها السواد الأعظم من الشعب
3-الديمقراطيات الضخمة (من حيث اتساع الدولة وتعقد التركيبة الإجتماعية وازدياد عدد السكان) تفشل في إتاحة القدر المناسب من التعبير السياسي لكل عناصر المجتمع ، مما يشكل عامل لتثبيط المواطنين عن المشاركة في الحياة السياسية والعامة
4- الديمقراطية هي نظام سياسي يديره بعض الحمقي ! ويكون أفضل شئ هو أن يتولي إدراة شئون الدولة المتخصصين بصرف النظر عن مدي تمثيلهم لرغبات الشعب وأهواؤه ، وذلك لأن إذارة شئون الحكم إذا تركت للشعب سيؤدي ذلك لخلل كبير في الدولة ، لأن الشعب لا يعرف ما الذي يفعله علي وجه الحقيقة
ويكمل كوفميل : “وأفلاطون يري في نظريته الخاصة بالحكم والدولة ، أن هناك حالة مثالية هي التي يجب أن تسود النظام السياسي الناجح ، وهي أن يتولي الحكم “ممثلين عن إرادة الشعب” بالتعاون مع “أهل الخبرة والتخصص” الذين لا يهم أن يكونوا منتخبين من قبل الشعب أو ممثلين عن رغباته” أ.هــ
بالطبع فإن كلام البروفيسور إريخ كوفميل حول نظرية أفلاطون للحكم يفتح باب النقاش حول أحد أهم عناصر الحكم في الفكر السياسي الإسلامي وهو أهل الحل والعقد…
ولهذا حديث آخر بإذن الله تعالي
_______________
المراجع
Thanassis Samaras (2002) Plato on Democracy, P. Lang
Plato. The Republic, 360 B.C.E. Translation by Benjamim Jowett
Andreas Sofroniou (1999) Therapeutic philosophy for the individual and the state, LuLu.com
Erich Kofmel (2008) Anti-Democratic Thought, Imprint Academic
مقارنة بين قواعد جيمس أندرسون للحساب الفوق-حقيقي وقواعد الحساب القياسية
| Transreal Arithmetic : J. Anderson | Standard Arithmetic |
|---|---|
|
|
|
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
NaN + a = NaN |
![]() |
![]() |
![]() |
− NaN = NaN (i.e. applying unary negation to NaN yields NaN) |
![]() |
![]() |
Where Φ is a quantity expressed as”Nullity” and NaN is the IEEE standard floating point arithmatic rule for “Undefined Quantity”.
References:
Anderson, J. (2006). “Perspex Machine IX: Transreal Analysis”. In Longin Jan Latecki, David M. Mount, and Angela Y. Wu. (PDF). Vision Geometry XV: Proceedings of SPIE. 6499.
http://en.wikipedia.org/wiki/Transreal_arithmetic#Transreal_arithmetic_and_other_arithmetics
الديمقراطية بين نظريتي الخلق والإلحاد : ملاحظات هامة
عندما نقول أن الديمقراطية ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالإيمان بصحة نظرية داروين أو- بشكل أعم- بالإقرار بصحة الإلحاد العلمي الحداثي ، فإن هذا الكلام قد يكون بعيدا تماماً عن إدراك الكثيرين ، لذلك أصبح من الواجب وضع بعض الملاحظات لبيان مدي إرتباط الديمقراطية كنظام سياسي بالإلحاد العلمي الحداثي وما يتعلق به من نظريات علمية ، وجدير بالذكر في هذا السياق التأكيد علي ارتباط فلسفة العلم بشقيه الحيوي والطبيعي بالنظريات الإجتماعية والسياسية الحديثة
.
1- هناك نظريتان فلسفيتان تفسران الوجود ، هما : (الخلق Creationism) و (الإلحاد Atheisim)
نظرية الخلق تعتمد أساساً علي (الإيمان) بوجود خالق هو الذي أحدث الوجود بكامله ، وهي النظرية التي يستند إليها الإسلام والنصرانية واليهودية ، وبعض الديانات الوضعية كذلك ، يقول البروفيسور إيوجين سكوت [1] في كتابه ” التطور في مواجهة الخلق – مقدمة” : (نظرية الخلق تنص علي أن الوجود الإنساني والحيوي علي سطح الأرض والوجود الكوني كله قد أحدثه – أو صنعه – كيان فائق القوة يطلق عليه في نطاق هذه النظرية (الإله)”.
بينما نظرية الإلحاد تعتمد اساساً علي (الإيمان) بانعدام وجود (إله) في هذا الكون ، ومن ثم تفسير وجود كل صور الحياة و الكون بأنها نتاج لبلايين من الصدف والأحداث العشوائية التي أدت لوجود هذا الكون بالشكل الذي نعرفه الآن ، يقول إدواردز بول[2] في “موسوعة الفلسفة”: (الإلحاد هو أن يرفض الشخص مبدأ الوجود الإلهي بصرف النظر عن صحة أدلته لهذا الرفض)
وبطبيعة الحال فإن الصراع الفلسفي والعلمي بين المساندين لكلتا النظريتين لايزال مستمراً منذ الإنتشار الحقيقي للعلم التجريبي الحديث في نهاية القرن السابع عشر حتي يومنا هذا ، وحصر جوانب هذا الصراع وجبهاته يحتاج لبضعة مجلدات ، ولكن الجدير بالذكر أن نظرية الإلحاد قد شهدت عدة قفزات فكرية وأصولية منذ إرتباطها بشكل حصري بنظرية داروين للنشوء والإرتقاء ، مروراً بظهور النظرية النسبية علي يد ألبرت أينشتين واكتشاف (التدقيق المتناهي Fine Tuning ) الذي اعتبره العديد من مؤيدي نظرية الخلق ضربة قاتلة للإلحاد ، حتي الوصول إلي نظريتي الأكوان المتعددة والأوتار الفائقة اللتان كانتا من أهم نتائج التزاوج بين علم الفيزياء الكونية وعلم ميكانيكا الكوانتم ، واللتان اعتبرهما العديد من الملحدين تفسيراً كافياً للوجود في مواجهة نظرية الخلق ، ومن المفيد في هذا السياق أن يرجع القارئ إلي كتاب رودني هولدر[3] “الإله ، الأكوان المتعددة ، وكل شئ” للإلمام بطبيعة الصراع بين النظريتين.
2- نظرية الخلق تقتضي – منطقيا وفلسفياً – كمال الخالق وإحكام سلطته علي الوجود
وهذا الحتم المنطقي ينشأ أساساً من الإلمام بالطبيعة المحكمة والنظام المتناهي الدقة للكون ، فحيثما تحقق هذا الإلمام كان الإعتقاد بكمال قدرة (الخالق) حتمياً. يقول البروفيسور آرثر كومبتون الحائز علي جائزة نوبل في الفيزياء: (ليس من الصعب عليّ أن أحمل هذا الإيمان ، فإنه من غير الممكن الإختلاف علي أنه حيثما وجد التخطيط ، وجد الذكاء – كون منظم محكم يشهد بحقيقة أعظم كلمة علي الإطلاق “وفي البداية كان الله”) ، ويقول السير إسحق نيوتن في كتابه الخالد “الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية”[4]: (بالرغم أن هذه الأجسام الكونية تستطيع البقاء في حركتها المدارية باتباعها لقوانين الجاذبية ، ولكن من المستحيل أن تكون هذه الأجسام قد اكتسبت موضعها في هذه المدارات لأول مرة باتباعها لتلك القوانين …النظام البالغ الجمال الذي يتكون من الشمس والكواكب والأقمار كان يمكنه الحدوث فقط من خلال القدرة والسلطة لكيان فائق القدرة والذكاء…الإله).
3- نظرية الإلحاد – بشقيها الحيوي biological والطبيعي physical – تقتضي عشوائية وفوضوية الوجود ، ومن ثم عدم وجود أي سيطرة أو سلطة علي الوجود
الشق الحيوي للإلحاد يتجسد بوضوح في نظرية تشارلز داروين التي فسر بها نشوء الحياة علي سطح الأرض وتطورها إلي ظهور الإنسان والمعروفة بنظرية (التطور) ، وتقتضي هذه النظرية عدم وجود أي تدخل إلهي – ومن ثم عدم وجود أي إله – في إحداث الحياة أو التحكم فيها أو السيطرة عليها في هذا الكون ، ينقل ريتشارد هوفشادتر في كتابه “الداروينية الإجتماعية في الفكر الأمريكي”[5] علي لسان الفيلسوف الأمريكي تشارلز هودج قوله بأن “الداروينية والإلحاد كلمتين مترادفتين” ، كما أكد علي هذا الترادف عالم الأحياء البريطاني الأشهر ريتشارد داوكينز أيضاً في كتابه “سراب الإله” [6] ، وتتجسد العشوائية في نظرية داروين بقوة عند الربط بين التطور الطبيعي والطفرات الجينية التي يفترض بها الخضوع لعشوائية رياضية هائلة لا يمكن التنبؤ بها مسبقاً ، مما يهدم تماماً وجود أي تدخل (إلهي) لحدوث هذا التطور ، وجدير بالذكر أن ربط التطور الدارويني بالطفرات الجينية العشوائية يمثل الآن الإتجاه السائد بين علماء الأحياء الداروينيين في العالم.
بينما يقف الجانب الطبيعي للإلحاد موقفاً أكثر وضوحاً من حيث ارتباطه بالعشوائية والفوضوية ، فنجد أن الكثير من علماء الفيزياء الكونية وميكانيكا الكوانتم قد اتجهوا منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلي يومنا هذا لنظرة الفوضي Chaos Theory لمحاولة إثبات العديد من نظرياتهم ، بالإضافة إلي إعتماد نظرية الأكوان المتعددة Multiverse ونظرية الأوتار الفائقة String Theory علي أسس رياضية تعتمد علي نظرية الفوضي في تفسير التدقيق المتناهي للكون.
4- الشرائع السماوية تعتبر تطبيق عملي لنظرية (الخلق) في النواحي الإجتماعية والسياسية من الحياة البشرية
حيث أن نظرية (الخلق) تقتضي الإيمان بوجود خالق للكون ، مستمر في حكم هذا الكون بسلطاته المطلقة ، فيكون الإيمان بأن هذا الخالق له (هدف) أو (حكمة) من إيجاد هذا الكون ، وبالنسبة للأديان السماوية التي تعتبر التجسد الوحيد لنظرية الخلق ، فإن هذه الحكمة مدارها بشكل رئيسي علي الإنسان.
ومن ثم يصبح الإيمان بوجود (أنبياء) مهمتهم تعليم البشر هذه (الحكمة) الإلهية من خلق الكون منطقياً أيضاً ، وفي هذه الأديان الثلاثة تتمحور تلك الحكمة بين (العقيدة أو الإيمان) وبين (التشريعات) ، فبينما يقف الإسلام موقفاً متزناً بالنسبة للعلاقة بين (العقيدة) و(قوانين الشريعة) ، نجد النصرانية تقف موقفاً يختزل (الحكمة الإلهية) من خلق الكون في مسألة (الإيمان بالمسيح) فقط ، ونجد أن اليهودية تختزل تلك (الحكمة) في مسألة (تطبيق شريعة إسرائيل) فقط ، وعلي هذا فيمكن القول أن الإيمان بنظرية (الخلق) تقتضي الإيمان بمقتضيات هذه النظرية من حيث (العقيدة) و(التشريع) علي حدٍ سواء
5- تعتبر الديمقراطية تطبيقاً عملياً لنظرية (الإلحاد) في النواحي الإجتماعية والسياسية من الحياة البشرية
فنظرية الإلحاد ، كما سبق ، تنص علي أن الوجود الكوني كله محض العديد من الأحداث العشوائية Random Events التي صنعت الكون بكل عناصره التي يشاهدها الإنسان ، و بالتالي فإن المجتمع الإنساني ووجوده وبقاؤه أيضاً خاضع لمجموعة مماثلة من الأحداث العشوائية باعتبار المجتمع الإنساني جزء من الوجود الكوني ككل ، وعلي ذلك فإن المنظومات التي تحكم هذا المجتمع الإنساني (النظم السياسية) يجب أن تكون متماشية ومتناسبة مع تلك الأحداث العشوائية التي تتحكم في المجتمع الإنساني ، وعلي هذا تصبح الديمقراطية كنظام حكم يستند إلي (إرادة الشعب) التي تمثل أحد مظاهر التطور الإنساني أنسب تطبيق عملي لنظرية الإلحاد ما يخص الحياة العامة للمجتمع الإنساني.
يقول تشارلز تايلور في كتاب “عصرٌ عالمانيٌ” [7] : (هناك نوع من الترابط أو الإنتظام بين حقوق الإنسان ، والديمقراطية ، والإلحاد)
ويقول أكسل هادينيس في كتاب “نصر الديمقراطية وأزمتها” [8]: (إن الديمقراطية في معناها السياسي تعني تحرر المجتمعات liberalization of societies ، وهذا التحرر هو نتيجة طبيعية لتطور الواقع السياسي الإنساني ، وعلي هذا فإن الدين يكون متوافقاً مع الديمقراطية – فقط – عندما لا تعتبر الديمقراطية مصدراً للسلطات. الديمقراطية لا دينية Democracy is areligious).
______________________________________________
المراجع
[1] Eugenie C. Scott (2004). Evolution vs. Creationism: An Introduction. Berkley & Los Angeles, California: University of California Press.
[2] Edwards, Paul (2005) [1967]. “Atheism”. In Donald M. Borchert. The Encyclopedia of Philosophy. Vol. 1 (2nd ed.). MacMillan Reference USA (Gale)
[3] Rodney D. Holder (2004) God, the multiverse, and everything: modern cosmology and the argument from design, Ashgate Publishing, Ltd.
[4] Isaac Newton, Mathematical principles of natural philosophy, Edited and republished by: Florián Cajori, University of California Press, 1962
[5] Richard Hofstadter (1965) Social Darwinism in American thought, G. Braziller
[6] Richard Dawkins (2006) The God Delusion, Bantam Books
[7] Charles Taylor (2007) A secular age, Harvard University Press
[8] Axel Hadenius (1997) Democracy’s victory and crisis, Cambridge University Press
مقدمات التغريب – 1
إن الحديث عن العلم الطبيعي فى العصر الذي نعيشه الآن يعكس تحديات عديدة ، كل منها يمس بشكل أو بآخر الصراع الحضاري الحتمي بين الإسلام والغرب ، ويقف التاريخ بشموخ
شاهداً على حتمية هذا الصراع بالرغم من كل الدعاوي الجوفاء والخطب الرنانة التي تتحدث عن “التعايش” و “تقبل الآخر” وما إلي ذلك ، فمنذ بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه ونشأة الدولة الإسلامية فى المدينة إلى يومنا هذا والغرب بأجنحته الفكرية والعقدية المختلفة يرفض قيم الإسلام التي تتمحور حول الخضوع الفكري والعقدي لله سبحانه وتعالي ، بل ويتعدي هذا الرفض ليصل إلى مرحلة الصراع الأيدولوجي ثم الإقتصادي والعسكري فى نهاية المطاف ، والحملات الصليبية تعتبر من أهم الأمثلة التارخية التي تدل على حتمية الصراع بين الإسلام والغرب بكل أجنحته الفكرية ، سواء فى ذلك الدينية النصرانية ، أو اليهودية ، أو الإلحادية.
والجناح الفكري الإلحادي الذي ظهر فى الغرب فى بداية ما يسمي بعصر التنوير – أو بتعبير أدق عصر التخلص من ظلمات الكنيسة – فى القرون السطي قد كتب له النجاح والسيادة والهيمنة على الفكر الغربي بكافة جوانبه منذ القرن التاسع عشر وإلي يومنا هذا ، فبينما سعي البروتستانت إلي التأقلم مع العلوم الطبيعية الحديثة التي أثبتت عدم قدسية العهدين القديم والجديد واستحالة كونهما من عند الله ، وقف الكاثوليك فى مواجهة هذا السعي بالإصرار على قدسية هذين الكتابين مما حدا بالكنيسة إلى الإنعزال والإنكفاء على الذات مما جعل بابا الفاتيكان يفقد تقريبا كل نفوذه وسلطته على الجماهير النصرانية فى البلاد الكاثوليكية ، ثم تم بعد ذلك استدراج البروتستانت عن طريق المذاهب الإنجليكانية والميثوديست إلي التحول بشكل شبه كامل إلى مؤازرة اليهودية الصهيونية ، وعلى الجانب الآخر وقف الإلحاد العلمي الذي يقوم على فرضية إنكار الخلق كأكبر المذاهب الفكرية رسوخاً وشموخا وقوة فى الغرب ،ذلك لأن أتباع الإلحاد العلمي يرون أن مذهبهم هو نتاج مباشر للثورة العلمية الحداثية التي صنعها الإنسان وبالتالي فهي غير مفروضة على البشر بفعل قوي “غيبية” كباقي الديانات ، مما يجعلها محصنة ضد الإنهيار بفعل الإكتشافات العلمية الحديثة كما حدث للنصرانية بمذهبيها ، أي أن الملاحدة يرون قوة الإلحاد العلمي فى قدرته على التشكل والتغير بما يناسب الإكتشافات العلمية المستقبلية ، ولا يوجد فى هذا المذهب سوي عقيدة واحدة يجب على الملحد الإيمان بها وهي : رفض فكرة الخلق ووجود الخالق ، وهي على الرغم من محاولة الكثيرين تصويرها بأنها أمر علمي يمكن الإستدلال عليه وإثباته إلا أن قواعد الفلسفة ونظرية المعرفة تؤكد أن رفض وجود الخالق مجرد “عقيدة دينية” أي أنها لا يمكن الإستدلال عليها بقواعد العلم التجريبي ولا بالعقل المطلق
مما سبق يمكن القول بأن الصراع الحتمي بين الإسلام والغرب يفرز فى العصر الحالي صراعاً حتميا بين الإسلام والإلحاد العلمي بجانب الصراع الأقدم بين الإسلام فى جبهة واليهودية والنصرانية فى جبهة أخري ، والثراع بين الإسلام والإلحاد العلمي قائم فى الدول الإسلامية كصراع فكري بدأ مع عصر الإحتلال الأوروبي للبلاد الإسلامية فى القرن الثامن عشر ، وبدأ بشكل خاص فى مصر مع الإبتعاث الحكومي لطلبة الأزهر إلى فرنسا فى عهد محمد علي سرششمة الذي تواطئ مع الإحتلال الفرنسي وخدع شيوخ الأزهر فى ذلك الوقت وتولي أمر مصر لكي يمهد لمائتي عام من الإحتلال الفكري والثقافي ، يقول فضيلة الأستاذ الشيخ محمود شاكر فى كتابه “رسالة فى الطريق إلي ثقافتنا”[1]:
” كان محمد علي سرششمة هذا ، الذي أسند إليه أمر ولاية مصر فى سنة 1805 م (1220 هــ) فى الخامسة والثلاثين من عمره وكان جاهلا لم يتعلم قط شيئاً من العلوم وكان لايقرأ ولا يكتب وقضي أكثر عمره تاجراً يتاجر فى الدخان (الطباق) ثم انضم إلى الجند ولكنه كان ذكيا داهية عريق المكر ، يلبس لكل حالة لبوسها ، وكان مغامراً لا يتورع عن كذب ولا نفاق ولا غدر ، وفى أثناء مقامه فى مصر من سنة 1801 إلى سنة 1805 يراقب اضطراب الأمور واختلال غدارتها وبنظره الثاقب وذكائه خالط المشايخ والقادة والمماليك الذين حاولوا العودة إلي ولاية الأمور فى مصر ، فنافقهم جميعا ، وأظهر لجميعهم المودة والنصح وسلامة الصدر حتي انخدع به المشايخ والقادة وآثروا ولايته على ولاية المماليك فنصبوه واليا على مصر وعلى رأس من انخدع به السيد عمر مكرم أكبر قائد للمشايخ والجماهير فبذل كل جهده فى إسناد ولايته إليه ، وكان ما أراد الله أن يكون“
فلما بدأت جحافل الإبتعاث تفد علي بلاد الغرب ، بغير حصن فكري وثقافي ولا عتاد علمي يمنع هؤلاء المبتعثين السذج من الإنبهار والسقوط فى دائرة التحلل الديني والثقافي ، بدأ الإستطدام بين الإسلام والإلحاد الغربي عند عودتهم إلي مصر ، وبدأ الجهال من هؤلاء الأزاهرة فى تصوير التقدم العلمي الذي سيطر على عقولهم فى بلاد الغرب بأنه منتهي المراد وغاية المقصود من حياة الإنسان ، بل وتصور بعض هؤلاء أن فى هذا التقدم المادي الغربي ذرائع لنقض الكثير من أحكام الإسلام والتحلل من قدسية الوحيين ، وذلك بحجج خائبة كتغير الفتوي بتغير الزمان ومواكبة الشريعة لكل العصور وما إلي ذلك من الشعارات الرنانة الجوفاء ، مما ساعد على نشر هذا الفساد الثقافي الدعم السياسي من محمد علي سرششمة وخلفاؤه لهؤلاء المستغربين بدوافع عديدة من الدول الأوروبية ، أهمها إضعاف الخلافة والتمهيد للنظام العالمي الجديد الذي كان محل النقاش والمشاورة فى الدوائر السياسية والعسكرية والثقافية الغربية فى أثناء عصر الإحتلال العالمي خاصة بعد الحروب العديدة التي خاضتها بلاد أوروبا ضد بعضها البعض ، فكان هذا السرششمة ومعظم أبناؤه من أخلص خدام الصليب الغربي ومن أكثر جنود أوروبا ولاء لسياستها فى المشرق العربي
نعود إلى المستغربين العائدين من أوروبا ، فإن السبب الرئيسي – فى حقيقة الأمر- فى الإنبهار الثقافي والعلمي الذي سيطر على عقول هؤلاء المستغربين يرجع إلى تفريط العثمانيين فى آخر زمانهم فى نشر العلم والتقدم فى ربوع سلطنتهم ، وإلى تقصيرهم فى إنشاء الجامعات والمعاهد العلمية التي تواكب ما يحدث فى الغرب من ثورات علمية وثقافية وأدبية ، بالإضافة إلى توقف التنمية فى الدول التابعة للعثمانيين ، فبدأت مدن تلك الدول فى التجمد والتحفر عند زمن معين لم تفارقه ، وأصبحت الدول الإسلامية متأخرة عن مثيلاتها الأوروبية بعشرات الأعوام من عمر العلم والتنمية ، فنشأ هؤلاء المبتعثين فى زمان غير الزمان الذي يعيشون فيه ، وافتقدت عقولهم الإعداد العلمي والثقافي المناسب لذلك العصر مما مهد لانبهارهم المكلق بما عايشوه وعاينوه عند الأوروبيين ، ومر هذا الإنبهار القاتل بعدة مراحل كان أولها مرحلة الترجمة ، حيث عمد هؤلاء المبتعثين بعد عودتهم من أوروبا – بتوصيات من محمد علي وخلفاؤه والقناصل الأوربيين – إلي ترجمة الأعمال الأدبية الفرنسية إلي العربية ، على العكس تماما مما كان يفترض بهم ، فقد كان من المفترض أن يعمدوا إلى ترجمة الأعمال العلمية والهندسية حتي يسدوا الفجوة الحضارية بين أوروبا وبلاد الإسلام وعلى رأسها مصر ، ولكنهم عمدوا إلي ترجمة الأعمال الأدبية والفلسفية مما يشي بتواطئهم مع الغربيين وعمالتهم ضد بني دينهم ، فقد كان لهذه الأعمال الأدبية المترجمة الأثر البالغ فى سلخ الثقافة الإسلامية من مصر ، فبعد أن تجرمت تلك الأعمال ونشرت وعرضها القارئ المصري – الأجوف فى ذلك الزمان – على عقله ووعيه ، حدثت الكارثة…بدأ المجتمع يتطلع إلي تلك الشهوات التي يتمتع به نظيره الفرنسي من موسيقي وتمثيل ومسرح وأوبرا وفنون واختلاط وغير ذلك مما ورثه الفرنسيون عن الإغريق والرومان ومما هو بعيد كل البعد عن التراث العربي الذي صبغه الإسلام بصبغة التقوي والحياء والأدب ، وبدأ “المستغربون” فى مصر ينبحون طلباً لهذه الشهوات ، وكان خلفاء محمد علي فى تلك الفترة على قدر من التفريط الديني مما سمح لهم بإجابة بعض هذه المطالب.
ومع الغياب النسبي للعلوم الطبيعية عن المعاهد والمدارس المصرية فى ذلك الوقت ، والغياب الكلي لترجمة الأعمال العلمية الطبيعية الأوروبية إلي العربية ، تكون وعي زائف عند الطبقة المثقفة فى مصر يقضي بأن السر فى التقدم والتفوق الغربيين يكمن فى أسلوب الحياة والنظام الإجتماعي بدلاً من أنه يكمن فى التقدم فى العلوم النظرية والتطبيقية ، وبدأ رجال تلك الطبقة يرسلون أبناءهم بأعداد ضخمة إلي فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسائر بلاد أوروبا لكي يحوزوا هذا السر العظيم “الحياة الأوروبية” ثم يعودوا به إلي مصر ، وكان ذلك فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وساعد علي هذا التحلل الأيدولوجي والسقوط الخلقي وجود بعض “المنافقين” من أصحاب المذاهب الدينية الباطلة والديانات الباطنية فى حرم الأزهر الشريف ، فكان لهم الأثر البالغ فى تبرير هذه الحملة التغريبية وإلصاق محتوياتها بالدين بمعسول الكلام والمنطق الفاسد ، فكانوا يبررون دعوات السفور بمواكبة العصر واحتياج المرأة إلى الخروج ومخالطة الناس ، بينما شرع النقاب أصلا لهذا الهدف ! فالمرأة التي تبقي ببيتها لا يلزمها الحجاب ولا النقاب بل يلزمان النساء عند خروجهن من بيوتهن ، وكانوا يبررون دعوات الموسيقي والمسرح والتمثيل بأنه من “اللهو المباح” بينما تحرم المذاهب الأربعة مثل هذه الأمور ، وكان ممن يتزعم هؤلاء المنافقين الماسوني جمال الدين الأفغاني [2] الذي كان يتزعم الإختراق الفكري والثقافي بل والإستخبارتي البريطاني داخل الدولة العثمانية ، والغريب أنه بالرغم من افتضاح حقيقة هذا الماسوني الأفغاني إلا أنه لازال الكثير من الكتاب العرب والمصريين بشكل خاص يسمونه بــ”المصلح” مما يشى بمدي تأثير فكر الأفغاني إلي يومنا هذا…
يتبع
___________
المراجع
[1] محمود محمد شاكر ، 1991 “رسالة فى الطريق إلي ثقافتنا” ، الطبعة الثالثة ، دار الهلال
[2] موفق بني المرجة ، 1984 “صحوة الرجل المريض – السلطان عبد الحميد الثاني والخلافة الإسلامية” دار الكويت للطباعة


















