الأرشيف الشهري: أكتوبر 2010
بين الدين والعلم…إختلاف طرق الإستدلال ومقتضيات الحقائق
من أكبر المشاكل الفكرية التى تواجه المسلمين اليوم الخلط المتعمد بين الدين والعلم منن حيث طرق الإستدلال ومقتضيات الحقائق ، وهذا فى رأيى قد نتج عن الكلام فى موضوع الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة والذى أعتبره من الدجل والنصب والإحتيال الدينى والعلمى ، السبب فى هذا الرأى هو الإختلاف البين بين الإطار المرجعى Frame of Reference لكل من الدين والعلم فالإطار المرجعى للدين (وأعنى بالدين الإسلام فقط بالطبع فى هذا السياق) هو علوم الشريعة وأصولها ، مثل علم الحديث والتفسير والأصول ، بينما الإطار المرجعى للعلم هو إطار العلم التجريبى الذى وضعه روجر بيكون ، كما شرحنا هذه الإطار وناقشناه من قبل ، وهذين الإطارين مختلفين أيما اختلاف ، أضف إلى هذا أمر آخر ، هو مقتضيات الحقائق ، فالحقيقة بالمعنى الدينى لها مقتضيات إعتقادية أو عملية تتعلق بالدين فقط ، بينما الحقيقة بالمعنى العلمى لها مقتضيات تتعلق بالمعنى العلمى فقط أيضا ، فعلى سبيل المثال الحقيقة الدينية التى تنص على ثبوت الخلق ومن ثم وجود الخالق ، تقتضى وجوب البحث عن الدين الصحيح ووجوب عبدة هذا الخالق ، بينما حقيقة حدوث الإنفجار الكبير Big Bang فى علم الكونيات لا تقتضى إلا التسليم بهذه الحقيقة ووضعها موضع الفرضيات أو المعطيات عند بحث مسألة ما تتعلق ببداية الكون ، فلا تقتضى تلك الحقيقة العلمية أى فعل أو عمل متعدى يتعلق بالإنسان وحياته الإجتماعية أو نظامه الخلقى
هذا المقال يهدف إلى توضيح الفوارق الأصولية بين الدين والعلم من حيث طرق الإستدلال ، ومقتضيات الحقائق ، بما يقودنا إلى نفى صحة (الإعجاز العلمى فى النصوص الدينية) كمنهج بحثى من الأساس
1- طرق الإستدلال
إن طرق الإستدلال العلمى تعتمد كليا على التجربة والمشاهدة ، وتعتمد أيضا على منطقية الإستنتاج من التجربة أو المشاهدة ، وفى هذا السياق يجب تعريف مصطلحين فى غاية الأهمية يتعلقان بنظرية المعرفة فى العلم الحديث ، التى يمكن تعريبها بكلمة الإيبستمولوجيا ، هذين المصطلحين هما السببية Causality و الخطئية Falsifiability ، بالطبع فإن ترجمة هذين المطصلحين قد لا تكون دقيقة بالقدر الكافى ، ولكن أرجو أن تكون كافية لسياق هذا المقال
السببية هو مصطلح يعنى بتفسير العلاقة بين السبب والظواهر المتعلقة بهذا السبب أو التأثير المترتب على هذا السبب ، والسببية هى أحد الأعمدة الفلسفية التى تقوم عليها طرق الإستدلال فى العلم التجريبى ، بمعنى أنه لكى تفسر ظاهرة معينة تفسيراً علمياً لابد أن يكون هناك نظرية (سببية) تربط هذه الظاهرة وتأثيراتها بسبب أو أسباب محددة ، وإلا سيكون تفسير الظاهرة تفسيراً (فرضياً) لا يمكن إعتباره من اللم التجريبى أو إخضاعه للبحث والتمحيص
أما الخطئية ، أو قابلية الخطأ كما ترجم المصطلح فى ويكيبيدا ، فهى تعنى باختبار قابلية الخطأ لأى نظرية علمية ، فإذا كان هناك قابلية للخطأ فيكون من الواجب قبول هذه النظرية كجزء من العلم التجريبى ، بمعنى آخر فإذا كان من الممكن أن نظهر خطأ نظرية ما من خلال تجربة معينة فإن هذه النظرية تكون لها صفة علمية ، أما إذا لم يكن هناك أى تجربة أو طريقة لإثبات خطأ النظرية محل الدراسة ، فتكون بهذا ليست جزءاً من العلوم التجريبية وتحال إلى ما دون ذلك من علوم ماوراء الطبيعة أو الأدبيات أو ما إلى ذلك
إذاً النظريات المعرفية ، التى يمكن أن نطلق عليها أنها (علمية) ونقصد بذلك أنها تخضع لقواعد العلم التجريبى يجب أن تكون مبنية على (السببية) ويجب أن تكون (قابلة للخطأ) ، بالطبع فى الإطار المرجعى الخاص بها
إذا عدنا إلى الدين وطرق الإستدلال فيه ، فإن حقائق الدين لا يمكن أن تخضع إلى السببية ولا إلى قابلية الخطأ ، لأن الدين قائم من البداية على أصل لا يمكن إثباته بالتجربة ألا وهو (الإيمان) فالإيمان بمعناه العلمى التجريبى يعنى (ما لايمكن إثباته ويستحيل نفيه) أى أن الإيمان (غير قابل للخطأ) إذا أخضعناه للعلم التجريبى وقواعده ، وبالتالى يفقد أول خاصية من خصائص النظريات العلمية ، أما السببية فتعنى بأن ما ينبنى على الدين كظاهرة لابد أن يكون لها سبب واضح معروف ، وكذلك الإيمان بأى دين ، وهذا يستحيل ، فلا يمكن تحديد سبب أو أكثر للدين كحقيقة ! وبهذا يفقد الدين الركن الثانى لاعتباره نظرية علمية
2- الإعجاز العلمى ومقتضيات الحقئق بين الدين والعلم التجريبى
منهج الإعجاز العلمى للنصوص الدينية يهدف إلى إيجاد علاقة بين بعض (النظريات العلمية) التى تتوافر فيها السببية والخطئية وبالتالى يمكن إعتبارها من العلم وليس من الخيال العلمى ، وبين النصوص الدينية من حيث مدلول النص النسبى بالنيبة للغة أو البلاغة أو التفسير الشخصى للباحث ، المشاكل الأصولية فى هذا المنهج تأتى من الجانبين العلمى والدينى ، فمن الجانب العلمى
1- إذا اختل أحد أعمدة النظرية العلمية من حيث كونها تعتمد على السببية وتتميز بكونها خطئية ، إذا لا تصبح النظرية تنتمى للعلم التجريبى وبهذا ينهار منهج الإعجاز عندئذ ، يمكن إعطاء مثال ممتاز على هذا الإختلال بالمواضيع التى تتحدث عن الإعجاز العلمى فى مسألة السموات السبع ومحاولة ربط هذه النصوص بنظرة تعدد الأكون ، لأن هذه النظرية لا تعتبر نظرية علمية لأنها ليست خطئية Unfalsifiable وبالتالى فعلماء الكونيات الغربيين يعتبرونها من أفرع الخيال العلمى أو العلوم الفلسفية وليست من العلوم التجربية
2- المشكلة الأصولية الثانية التى تهدم منهج الإعجاز العلمى هو أن النصوص الدينية لا يمكن إثبات أنها مبنية على السببية أو أنها خطئية ، وبالتالى فإنه يكون من المستحيل مقارنة نص دينى وما يقتضيه من حقائق بنظرية علمية تتميز بالسببية وبالخطئية ..! لأن عند هذه الحالة يكون الباحث كمن يحاول أن يجد أوجه التشابه بين فيل وكوب من عصير الليمون..!! تكون المقارنة بين نظرية تحكم الأسباب والتأثيرات بمنطق سببى وتتميز بكونها خطئية وبين نص يستمد صحته فقط من المؤمنين (بقدسيته) وبالطبع فإن قدسية النص نابعة من الإيمان بالدين الذى يرجع إليه ذلك النص ، وكما بينا فإن الإيمان – كحقيقة فضلاً عن كونه نظرية – لا يمكن إخضاعه لقواعد العلم التجريبى
3- المشكلة الأصولية الثالثة التى تواجه منهج الإعجاز العلمى ، وتجعل أنصاره يبدون كالبلهاء ، تتعلق بمقتضيات النص الدينى ، فهل تقارن النظرية العلمية بمقتضيات النص الدينى الفقهية ؟ أم اللغوية ؟ أم البلاغية؟ وما هو الإطار المرجعى للوصول إلى مقتضيات النصوص الدينية ؟ وهل يتوافق هذاالإطار المرجعى مع الإطار المرجعى للوصول إلى الحقائق العلمية ؟ على سبيل المثال إذا سلمنا أن مقتضيات النص الدينى العلمية يمكن الوصول إليها من خلال المعانى الحرفية للكلمات النص وأن المعانى البلاغية والفقهية لا تساهم على الإطلاق فى الوصول إلى المقتضى العلمى من النص ، فهل يتوافق هذا الإطار المرجعى مع الإطار المرجعى للوصول للحقائق التى تقتضيها نظية علمية ما ؟ بالتأكيد يستحيل أن يتوافق الإطار اللغوى والذى هو فى حقيقته (مطلق) مع الإطار التجريبى والذى هو فى حقيقته (نسبى) ، وبهذا يكون من المستحيل مقارنة نظرية علمية بنص دينى من حيث مقتضيات الحقائق التى يدل عليها كل منهما
4- المشكلة الأصولية الرابعة تتعلق بكون النظريات العلمية والأصول التى تقوم عليها ، ككونها نسبية وخطئية ، نسبية الصحة من حيث الزمن ، فعلى سبيل المثال كانت قوانين نيوتن مطلقة الصحة حتى وضع أينشتين النظرية النسبية ، فظهر أن قوانين نيوتن لا يمكن تطبيقها على حركة الضوء ، أى أنها غير صحيحة عندما تصف حركة الضوء ، وعلى سبيل المثال أيضاً فلا يمكن الجزم بأن نظريات علم الكونيات وبعض نظريات ميكانيكا الكم التى لم يتم إثبات صحتها حتى الآن لن يتم إثبات صحتها فى المستقبل القريب أو البعيد ، بنما تقف النصوص الدينية فى هذا السياق على النقيض التام ، فإن النصوص الدينية تستمد حجيتها من (صحتها) والتى يمكن بحثها وإثباتها من خلال علوم غير تجريبية ولا تخضع لقواعد العلم التجريبى وهى علوم الشريعة ، أى أنه – على سبيل المثال – أحاديث صحيح البخارى تستمد حجيتها من صحتها والتى تثبت منها الإمام البخارى وتحقق من تلك الصحة علماء الحديث على مر التاريخ ، وبالتالى فإن صحة هذه النصوص الدينية مطلقة بالنسبة للزمن ، أى أنه لا يمكن أن يظهر عدم صحة أى من هذه النصوص فى المستقبل لأنه لكى يحدث ذلك يجب أن يعود الزمن إلى الخلف ، وينقض الإمام البخارى وعلماء الحديث صحة بعض هذه النصوص ، وبالتالى فيمكن القول أن صحة النصوص الدينية مطلقة بالنسبة للزمن ، ومن هذا فيكون من المستحيل مقارنة حقيقتين أحداهما ذات صحة نسبية بالنسبة للزمن والأخرى ذات صحة مطلقة بالنسبة للزمن ، لأنه فى هذه الحالة ستكون هذه المقارنة غير صحيحة لا بالنسبة للوقت الحالى ولا بالنسبة للمستقبل ، بينما مقارنة حقيقتين صحيحتين نسبياً تكون مقبولة فى زمن المقارنة ومقارنة حقيقتين صحيحتين مطلقا تكون مقبولة فى زمن المقارنة وفى المستقبل
الخلاصة
من هذا كله يمكن لنا أن نرى أن المنهج المسمى (بالإعجاز العلمى فى القرآن والسنة) منهج غير صحيح بالنسبة لطرفى البحث ، العلم التجريبى والنصوص الدينية ، ولهذا فيجب على المسلمين اليوم أن يضعوا كل شئ فى نصابه الصحيح ، فالعلم التجريبى يجب أن تتم دراسته بالقواعد الفلسفية والمعرفية التى يخضع لها ، والنصوص الدينية يجب بحثها دراستها ودراسة مقتضياتها من خلال العلوم الشرعية والقواعد الأصولية التى تحكم هذه النصوص
أما أى خلط بين الإثنين فلايدل إلا على جهل مطبق بقواعد المعرفة الفلسفية التى بنى علهيا العلم التجريبى

