الأرشيف الشهري: نوفمبر 2010

بين الدين والعلم…قراءة فى بعض كتابات الأستاذ وحيد الدين خان

العلامة الأستاذ وحيد الدين خان

تلقيت بعض الأسئلة ، بل والإعتراضات ، من بعض القراء الفضلاء لهذه المدونة بخصوص ما كتبته فى التدوينة السابقة عن الدين والعلم وبطلان إرتباط كل منهما بالآخر من حيث الأدلة الفلسفية ، وقواعد الإستدلال ، ومقتضيات الحقائق ، وانحصرت تلك الأسئلة والإعتراضات فى ثلاث مسائل : الأولى هى أن الربط بين الدين والعلم يخدم الدعوة إلى الإسلام ، والثانية أن العلم به العديد من الحقائق والمسلمات التى تؤيدها بعض النصوص الدينية صراحة (كنظرية الإنفجار الكبير) والثالثة أن مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث توافق المنطق والعقل ، وكذلك الدين ، وبهذا يرتبطان…وبعد تأمل لهذه الأطروحات الثلاث وجدت أنه من المناسب أن أقوم بالرد عليها ومناقشتها من خلال قراءة فى كتب الأستاذ وحيد الدين خان ، وتحديدا فى كتاب “الدين فى مواجهة العلم” وكتاب “الإسلام يتحدى” ، والأستاذ وحيد الدين خان علم من أعلام الإسلام فى عصرنا هذا ، ومن العبث محاولة التقديم له وذكر مناقبه ودفاعه عن هذا الدين العظيم ، ولكن لمن لم يسمع به من قبل فهو المفكر الهندى الكبير والداعية الفاضل وحيد الدين خان مؤسس أحد المدارس الفكرية الإسلامية الرائدة والتى تؤمن “بوجوب مواجهة التحديات التى يواجهها الإسلام والمسلمون بنفس المصطلحات والوسائل والأساليب التى يستخدمها الأعداء وبوجوب إيجاد فكر إسلامى عصرى متكامل ، ونبذ الحزبية تماماً فى المرحلة الراهنة ، والتركيز على تعليم الشعوب الإسلامية وتصنيع البلاد الإسلامية وتقوية إقتصادياتها كتمهيد لابد منه لأى نهضة إسلامية ناجحة” وقد ترأس تحرير “الجمعية الأسبوعية” أوسع المجلات الإسلامية انتشارا فى الهند ، ويهتم فضيلة العلامة وحيد الدين خان فى معظم كتاباته وأعماله بنقد الحضارة الغربية والأسس الفلسفية التى تقوم عليها وقد نجح فى هذا نجاحا باهراً ومما ترجم له إلى العربية “الدين فى مواجهة العلم” و”الإسلام يتحدى” و”من نحن”و “المسلمون بين الماضى والحاضر والمستقبل” و”تجديد علوم الدين” ، وقد دعا الأستاذ العلامة وحيد الدين خان إلى إحياء علم الكلام فى مواجهة الفلسفات الإلحادية (*) التى انتشرت فى العالم فى هذا العصر كالوجودية والعدمية والإلحادية والكونية وغيرها ، ودعا إلى مواجهة إنتشار مثل هذه السموم فى البلاد الإسلامية عن طريق الحوار العلمى المتسلح بعلوم الكلام والفلسفة الإسلامية ، ولكن بحزم لا يلين وشدة لا تهاون فيها ، وهو لايزال حيا على حد علمى ، بارك الله فى عمره وعمله

فإذا عدنا إلى المسائل الثلاث التى يؤول إليها كلام القراء الكرام ، فيمكن تلخيص الرد عليها فيما يلى :

أولاً – فإن السعى وراء العلم الحديث بهدف خدمة الدعوة الإسلامية نابع من خلل فى فهم قصور هذه الدعوة حالياً ، فإن الدعوة لدين الله عزوجل إنما أصابها الخلل من تلقاء المسلمين أنفسهم وليس من تلقاء الدين ولا منهج الدعوة إليه ، والدليل على هذا أننا إذا نظرنا لمدى إستجابة العالم لدعوة الإسلام فى عهد الخلافة الراشدة – على سبيل المثال لا الحصر- على ما كانت عليه وسائل الدعوة فى هذا الوقت من القلة والضحالة ، ونظرنا إلى حجم استجابة العالم إلى نفس الدعوة الآن على ما عندنا من وسائل الإتصال والدعوة ، سندرك أن الخلل والقصور قد أصاب القائمين بهذه الدعوة ومن ثم تسرب إلى منهجها ،فيكون الإصلاح بإصلاح المسلمين وبلادهم وليس بخلط الدين بالعلم الحديث ، لأن هذا الخلط لن يقود إلى أى نجاح حقيقى للدعوة الإسلامية ، قد يقود إلى نجاحات فردية استثنائية بلا شك ، ولكن أن يقود ذلك الخلط إلى نجاح حضارى شامل لدعوة الإسلام فهذا يستحيل أن يتحقق بهذا المنهج ، ذلك أن الغرب نفسه وهو مهد العلم المادي الحديث لا يزال تراوده الشكوك بشدة تجاه العلم ونظريات المعرفة التى أسسها – كما سيتضح لنا فيما بعد – بالإضافة إلى هذا ، فإن المثال على الدعوة الإسلامية – وهو الحضارة الإسلامية المعاصرة – يلوث أى محاولة لربط الدين الإسلامي بالعلم ، فأول ما يتبادر إلى ذهن الإنسان الغربيّ فى هذا السياق هو : إذا كان الإسلام يدعو إلى العلم الحديث والحضارة الحديثة ، فلماذا أنتم بهذا التخلف؟ لابد أن هناك خطأ ما!

ثانياً – يوجد مشكلتان رئيسيتان فى الربط بين الحقائق العلمية (المزعومة) وبين النصوص الدينية ، كما وضحت فى التدوينة السابقة ، المشكلة الأولى أن الحكم على نظرية علمية بأنها (حقيقة علمية) أمر فى غاية الصعوبة فى ظل طرق الإستدلال المعرفية التى يقوم عليها العلم الحديث ، والمشكلة الثانية أن دلالة النصوص فى الإسلام أصلاً ليست علمية بمفهوم العلم الحديث ، بل هى ذات دلالات تشريعية ودينية ، فيصبح التوصل إلى دلالة (علمية) بمقاييس العلم الحديث لهذه النصوص أمر بالغ الصعوبة أيضاً ، ويصبح التوصل إلى (إتفاق) أو (إجماع) على هذه الدلالة الجديدة أمراً مستحيلا بلا مبالغة ، لهذا فإن الربط بين العلم (أو مايمكن أن يطلق عليه حقيقة علمية) وبين النصوص الإسلامية أمر فاسد من حيث أصله ومقتضياته

ثالثاً – إن مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث – وإن وافق بعضها العقل والمنطق وليس كلها – تبنى على العقل المجرد من أى إعتقادات بينما مقاييس الإستدلال فى الإسلام تبنى على العقل والمنطق المقيد بقيود الشريعة المشرفة والمتشبع بالإيمان المسبق بعصمة الوحيين : الكتاب والسنة ، فيظهر من هذا التقابل الإختلاف البين بين مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث والإسلام من حيث أن الأول غير متقيد إلا بقيود المنطق والعقل وغير مبنىّ على إيمان مسبق بأى فكرة أو حقيقة ، بينما الثانى متقيد بقيود الشريعة وهذا التقيد هو أحد نواتج الإيمان المسبق بعصمة الوحيين

طرق الإستدلال فى العلم الحديث

“…إن المعيار الإستدلالى للعلم الحديث يبدو كأنه معياراً واحدا لبساطته واعتماده على المشاهدة والإستنتاج ، ولكن الحقيقة التى لا يدركها الكثير من الناس أن هذا المعيار له درجات من الناحية العلمية:

أولاً – إن الدرجة الأولى لهذا المعيار هو أن يكون الأمر المراد مشاهدته أو تجربته فى متناول أيدينا مباشرة ، كمن يقول “إن الماء يحتوى على كائنات حية” فيمكن بوضع منظار مكبر (ميكروسكوب) على قطرة من الماء تأكيد أن هناك عددا كبيرا من هذه الكائنات الحية موجود بالفعل فى الماء

ثانياً – والدرجة الثانية لمعيار الإستدلال العلمى هى ألا تكون الدعوى قابلة كليا للمشاهدة بل يمكن مشاهدة بعض أجزائها فقط ، على سبيل المثال فإن دعوى (كروية الأرض) تم الإستدلال عليها قبل الصعود إلى القمر وذلك بتصوير أجزاء متعددة من سطح الأرض من طائرة مرتفعة ، حيث بدت الأرض مستديرة كالقمر ، والواضح أن هذا كان جزءاً من كرويتها وليس صورة كاملة لها

لكن الحقائق التى ندركها من خلال هاتين الدرجتين من درجات الإستدلال العلمى ليست إلا جزءا بسيطا من الحقائق المعروفة لنا ، فالحقيقة أننا لم نحصل على (حقيقة ذات أهمية) عن طريق هاتين الدرجتين من درجات الإستدلال العلمى ، على الرغم أن من دراستنا النظرية للكون تؤكد وجود مالايحصى من الحقائق ذات الأهمية فى الكون” أ.هــ [1]

أما الحقائق التى أدت إلى معظم إكتشافات الفيزياء الحديثة وعلوم الفضاء فهى ناتجة عن الدرجة الثالثة من درجات الإستدلال العلمى ، ولهذا حديث آخر بإذن الله تعالى

____________________________________________

[1] نقلا – بتصرف يسير- عن كتاب (الدين فى مواجهة العلم) للأستاذ وحيد الدين خان ـ ترجمة ظفر الإسلام خان ، طبعة دار النفائس ، صفحة 10

(*) هناك فارق هائل بين الدعوة إلى مواجهة الأفكار الإلحادية والمناهج الفلسفية المسمومة عن طريق إحياء علم الكلام وبين استخدام هذا العلم وقواعده لمحاولة إثبات العقائد الإسلامية وتفاصيلها بعيداً عن التقيد بالنصوص الشرعية ، فكما واجه الإمام أبى حامد الغزالى – رحمه الله تعالى – الفلاسفة بعلم الكلام والمنطق ووضح فساد إستدلالاتهم وقياساتهم ، كما يتضح ذلك من كتابه (تهافت الفلاسفة) وكما واجه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – الفلاسفة والعقلانيين ورد شبهاتهم فى كتابه (درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل) يدعو مولانا فضيلة الأستاذ وحيد الدين خان إلى مواجهة الفكر الإلحادى الغربى والفلسفات الكفرية بنفس المنهج والطريقة ، أما الإستدلال على العقيدة الإسلامية وتفاصيلها فلا يكون عند أهل السنة والجماعة إلا من خلال النصوص الصحيحة وتفسير علماء السلف لها ، ويتضمن ذلك الإجماع وأحاديث الآحاد الصحيحة ، بخلاف المتصوفة والمعتزلة وغيرهم من الفرق التى انشقت عن أهل السنة والجماعة فى أمور الإعتقاد لتقديمهم الكلام والمنطق على النصوص

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.