بين الدين والعلم…قراءة فى بعض كتابات الأستاذ وحيد الدين خان

العلامة الأستاذ وحيد الدين خان

تلقيت بعض الأسئلة ، بل والإعتراضات ، من بعض القراء الفضلاء لهذه المدونة بخصوص ما كتبته فى التدوينة السابقة عن الدين والعلم وبطلان إرتباط كل منهما بالآخر من حيث الأدلة الفلسفية ، وقواعد الإستدلال ، ومقتضيات الحقائق ، وانحصرت تلك الأسئلة والإعتراضات فى ثلاث مسائل : الأولى هى أن الربط بين الدين والعلم يخدم الدعوة إلى الإسلام ، والثانية أن العلم به العديد من الحقائق والمسلمات التى تؤيدها بعض النصوص الدينية صراحة (كنظرية الإنفجار الكبير) والثالثة أن مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث توافق المنطق والعقل ، وكذلك الدين ، وبهذا يرتبطان…وبعد تأمل لهذه الأطروحات الثلاث وجدت أنه من المناسب أن أقوم بالرد عليها ومناقشتها من خلال قراءة فى كتب الأستاذ وحيد الدين خان ، وتحديدا فى كتاب “الدين فى مواجهة العلم” وكتاب “الإسلام يتحدى” ، والأستاذ وحيد الدين خان علم من أعلام الإسلام فى عصرنا هذا ، ومن العبث محاولة التقديم له وذكر مناقبه ودفاعه عن هذا الدين العظيم ، ولكن لمن لم يسمع به من قبل فهو المفكر الهندى الكبير والداعية الفاضل وحيد الدين خان مؤسس أحد المدارس الفكرية الإسلامية الرائدة والتى تؤمن “بوجوب مواجهة التحديات التى يواجهها الإسلام والمسلمون بنفس المصطلحات والوسائل والأساليب التى يستخدمها الأعداء وبوجوب إيجاد فكر إسلامى عصرى متكامل ، ونبذ الحزبية تماماً فى المرحلة الراهنة ، والتركيز على تعليم الشعوب الإسلامية وتصنيع البلاد الإسلامية وتقوية إقتصادياتها كتمهيد لابد منه لأى نهضة إسلامية ناجحة” وقد ترأس تحرير “الجمعية الأسبوعية” أوسع المجلات الإسلامية انتشارا فى الهند ، ويهتم فضيلة العلامة وحيد الدين خان فى معظم كتاباته وأعماله بنقد الحضارة الغربية والأسس الفلسفية التى تقوم عليها وقد نجح فى هذا نجاحا باهراً ومما ترجم له إلى العربية “الدين فى مواجهة العلم” و”الإسلام يتحدى” و”من نحن”و “المسلمون بين الماضى والحاضر والمستقبل” و”تجديد علوم الدين” ، وقد دعا الأستاذ العلامة وحيد الدين خان إلى إحياء علم الكلام فى مواجهة الفلسفات الإلحادية (*) التى انتشرت فى العالم فى هذا العصر كالوجودية والعدمية والإلحادية والكونية وغيرها ، ودعا إلى مواجهة إنتشار مثل هذه السموم فى البلاد الإسلامية عن طريق الحوار العلمى المتسلح بعلوم الكلام والفلسفة الإسلامية ، ولكن بحزم لا يلين وشدة لا تهاون فيها ، وهو لايزال حيا على حد علمى ، بارك الله فى عمره وعمله

فإذا عدنا إلى المسائل الثلاث التى يؤول إليها كلام القراء الكرام ، فيمكن تلخيص الرد عليها فيما يلى :

أولاً – فإن السعى وراء العلم الحديث بهدف خدمة الدعوة الإسلامية نابع من خلل فى فهم قصور هذه الدعوة حالياً ، فإن الدعوة لدين الله عزوجل إنما أصابها الخلل من تلقاء المسلمين أنفسهم وليس من تلقاء الدين ولا منهج الدعوة إليه ، والدليل على هذا أننا إذا نظرنا لمدى إستجابة العالم لدعوة الإسلام فى عهد الخلافة الراشدة – على سبيل المثال لا الحصر- على ما كانت عليه وسائل الدعوة فى هذا الوقت من القلة والضحالة ، ونظرنا إلى حجم استجابة العالم إلى نفس الدعوة الآن على ما عندنا من وسائل الإتصال والدعوة ، سندرك أن الخلل والقصور قد أصاب القائمين بهذه الدعوة ومن ثم تسرب إلى منهجها ،فيكون الإصلاح بإصلاح المسلمين وبلادهم وليس بخلط الدين بالعلم الحديث ، لأن هذا الخلط لن يقود إلى أى نجاح حقيقى للدعوة الإسلامية ، قد يقود إلى نجاحات فردية استثنائية بلا شك ، ولكن أن يقود ذلك الخلط إلى نجاح حضارى شامل لدعوة الإسلام فهذا يستحيل أن يتحقق بهذا المنهج ، ذلك أن الغرب نفسه وهو مهد العلم المادي الحديث لا يزال تراوده الشكوك بشدة تجاه العلم ونظريات المعرفة التى أسسها – كما سيتضح لنا فيما بعد – بالإضافة إلى هذا ، فإن المثال على الدعوة الإسلامية – وهو الحضارة الإسلامية المعاصرة – يلوث أى محاولة لربط الدين الإسلامي بالعلم ، فأول ما يتبادر إلى ذهن الإنسان الغربيّ فى هذا السياق هو : إذا كان الإسلام يدعو إلى العلم الحديث والحضارة الحديثة ، فلماذا أنتم بهذا التخلف؟ لابد أن هناك خطأ ما!

ثانياً – يوجد مشكلتان رئيسيتان فى الربط بين الحقائق العلمية (المزعومة) وبين النصوص الدينية ، كما وضحت فى التدوينة السابقة ، المشكلة الأولى أن الحكم على نظرية علمية بأنها (حقيقة علمية) أمر فى غاية الصعوبة فى ظل طرق الإستدلال المعرفية التى يقوم عليها العلم الحديث ، والمشكلة الثانية أن دلالة النصوص فى الإسلام أصلاً ليست علمية بمفهوم العلم الحديث ، بل هى ذات دلالات تشريعية ودينية ، فيصبح التوصل إلى دلالة (علمية) بمقاييس العلم الحديث لهذه النصوص أمر بالغ الصعوبة أيضاً ، ويصبح التوصل إلى (إتفاق) أو (إجماع) على هذه الدلالة الجديدة أمراً مستحيلا بلا مبالغة ، لهذا فإن الربط بين العلم (أو مايمكن أن يطلق عليه حقيقة علمية) وبين النصوص الإسلامية أمر فاسد من حيث أصله ومقتضياته

ثالثاً – إن مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث – وإن وافق بعضها العقل والمنطق وليس كلها – تبنى على العقل المجرد من أى إعتقادات بينما مقاييس الإستدلال فى الإسلام تبنى على العقل والمنطق المقيد بقيود الشريعة المشرفة والمتشبع بالإيمان المسبق بعصمة الوحيين : الكتاب والسنة ، فيظهر من هذا التقابل الإختلاف البين بين مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث والإسلام من حيث أن الأول غير متقيد إلا بقيود المنطق والعقل وغير مبنىّ على إيمان مسبق بأى فكرة أو حقيقة ، بينما الثانى متقيد بقيود الشريعة وهذا التقيد هو أحد نواتج الإيمان المسبق بعصمة الوحيين

طرق الإستدلال فى العلم الحديث

“…إن المعيار الإستدلالى للعلم الحديث يبدو كأنه معياراً واحدا لبساطته واعتماده على المشاهدة والإستنتاج ، ولكن الحقيقة التى لا يدركها الكثير من الناس أن هذا المعيار له درجات من الناحية العلمية:

أولاً – إن الدرجة الأولى لهذا المعيار هو أن يكون الأمر المراد مشاهدته أو تجربته فى متناول أيدينا مباشرة ، كمن يقول “إن الماء يحتوى على كائنات حية” فيمكن بوضع منظار مكبر (ميكروسكوب) على قطرة من الماء تأكيد أن هناك عددا كبيرا من هذه الكائنات الحية موجود بالفعل فى الماء

ثانياً – والدرجة الثانية لمعيار الإستدلال العلمى هى ألا تكون الدعوى قابلة كليا للمشاهدة بل يمكن مشاهدة بعض أجزائها فقط ، على سبيل المثال فإن دعوى (كروية الأرض) تم الإستدلال عليها قبل الصعود إلى القمر وذلك بتصوير أجزاء متعددة من سطح الأرض من طائرة مرتفعة ، حيث بدت الأرض مستديرة كالقمر ، والواضح أن هذا كان جزءاً من كرويتها وليس صورة كاملة لها

لكن الحقائق التى ندركها من خلال هاتين الدرجتين من درجات الإستدلال العلمى ليست إلا جزءا بسيطا من الحقائق المعروفة لنا ، فالحقيقة أننا لم نحصل على (حقيقة ذات أهمية) عن طريق هاتين الدرجتين من درجات الإستدلال العلمى ، على الرغم أن من دراستنا النظرية للكون تؤكد وجود مالايحصى من الحقائق ذات الأهمية فى الكون” أ.هــ [1]

أما الحقائق التى أدت إلى معظم إكتشافات الفيزياء الحديثة وعلوم الفضاء فهى ناتجة عن الدرجة الثالثة من درجات الإستدلال العلمى ، ولهذا حديث آخر بإذن الله تعالى

____________________________________________

[1] نقلا – بتصرف يسير- عن كتاب (الدين فى مواجهة العلم) للأستاذ وحيد الدين خان ـ ترجمة ظفر الإسلام خان ، طبعة دار النفائس ، صفحة 10

(*) هناك فارق هائل بين الدعوة إلى مواجهة الأفكار الإلحادية والمناهج الفلسفية المسمومة عن طريق إحياء علم الكلام وبين استخدام هذا العلم وقواعده لمحاولة إثبات العقائد الإسلامية وتفاصيلها بعيداً عن التقيد بالنصوص الشرعية ، فكما واجه الإمام أبى حامد الغزالى – رحمه الله تعالى – الفلاسفة بعلم الكلام والمنطق ووضح فساد إستدلالاتهم وقياساتهم ، كما يتضح ذلك من كتابه (تهافت الفلاسفة) وكما واجه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – الفلاسفة والعقلانيين ورد شبهاتهم فى كتابه (درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل) يدعو مولانا فضيلة الأستاذ وحيد الدين خان إلى مواجهة الفكر الإلحادى الغربى والفلسفات الكفرية بنفس المنهج والطريقة ، أما الإستدلال على العقيدة الإسلامية وتفاصيلها فلا يكون عند أهل السنة والجماعة إلا من خلال النصوص الصحيحة وتفسير علماء السلف لها ، ويتضمن ذلك الإجماع وأحاديث الآحاد الصحيحة ، بخلاف المتصوفة والمعتزلة وغيرهم من الفرق التى انشقت عن أهل السنة والجماعة فى أمور الإعتقاد لتقديمهم الكلام والمنطق على النصوص

بين الدين والعلم…إختلاف طرق الإستدلال ومقتضيات الحقائق

بين قدسية النصوص الإسلامية وتجريبية العلوم الحديثة

من أكبر المشاكل الفكرية التى تواجه المسلمين اليوم الخلط المتعمد بين الدين والعلم منن حيث طرق الإستدلال ومقتضيات الحقائق ، وهذا فى رأيى قد نتج عن الكلام فى موضوع الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة والذى أعتبره من الدجل والنصب والإحتيال الدينى والعلمى ، السبب فى هذا الرأى هو الإختلاف البين بين الإطار المرجعى Frame of Reference لكل من الدين والعلم فالإطار المرجعى للدين (وأعنى بالدين الإسلام فقط بالطبع فى هذا السياق) هو علوم الشريعة وأصولها ، مثل علم الحديث والتفسير والأصول ، بينما الإطار المرجعى للعلم هو إطار العلم التجريبى الذى وضعه روجر بيكون ، كما شرحنا هذه الإطار وناقشناه من قبل ، وهذين الإطارين مختلفين أيما اختلاف ، أضف إلى هذا أمر آخر ، هو مقتضيات الحقائق ، فالحقيقة بالمعنى الدينى لها مقتضيات إعتقادية أو عملية تتعلق بالدين فقط ، بينما الحقيقة بالمعنى العلمى لها مقتضيات تتعلق بالمعنى العلمى فقط أيضا ، فعلى سبيل المثال الحقيقة الدينية التى تنص على ثبوت الخلق ومن ثم وجود الخالق ، تقتضى وجوب البحث عن الدين الصحيح ووجوب عبدة هذا الخالق ، بينما حقيقة حدوث الإنفجار الكبير Big Bang فى علم الكونيات لا تقتضى إلا التسليم بهذه الحقيقة ووضعها موضع الفرضيات أو المعطيات عند بحث مسألة ما تتعلق ببداية الكون ، فلا تقتضى تلك الحقيقة العلمية أى فعل أو عمل متعدى يتعلق بالإنسان وحياته الإجتماعية أو نظامه الخلقى

هذا المقال يهدف إلى توضيح الفوارق الأصولية بين الدين والعلم من حيث طرق الإستدلال ، ومقتضيات الحقائق ، بما يقودنا إلى نفى صحة (الإعجاز العلمى فى النصوص الدينية) كمنهج بحثى من الأساس

1- طرق الإستدلال

إن طرق الإستدلال العلمى تعتمد كليا على التجربة والمشاهدة ، وتعتمد أيضا على منطقية الإستنتاج من التجربة أو المشاهدة ، وفى هذا السياق يجب تعريف مصطلحين فى غاية الأهمية يتعلقان بنظرية المعرفة فى العلم الحديث ، التى يمكن تعريبها بكلمة الإيبستمولوجيا ، هذين المصطلحين هما السببية Causality  و الخطئية Falsifiability  ، بالطبع فإن ترجمة هذين المطصلحين قد لا تكون دقيقة بالقدر الكافى ، ولكن أرجو أن تكون كافية لسياق هذا المقال

السببية هو مصطلح يعنى بتفسير العلاقة بين السبب والظواهر المتعلقة بهذا السبب أو التأثير المترتب على هذا السبب ، والسببية هى أحد الأعمدة الفلسفية التى تقوم عليها طرق الإستدلال فى العلم التجريبى ، بمعنى أنه لكى تفسر ظاهرة معينة تفسيراً علمياً لابد أن يكون هناك نظرية (سببية) تربط هذه الظاهرة وتأثيراتها بسبب أو أسباب محددة ، وإلا سيكون تفسير الظاهرة تفسيراً (فرضياً) لا يمكن إعتباره من اللم التجريبى أو إخضاعه للبحث والتمحيص

أما الخطئية ، أو قابلية الخطأ كما ترجم المصطلح فى ويكيبيدا ، فهى تعنى باختبار قابلية الخطأ لأى نظرية علمية ، فإذا كان هناك قابلية للخطأ فيكون من الواجب قبول هذه النظرية كجزء من العلم التجريبى ، بمعنى آخر فإذا كان من الممكن أن نظهر خطأ نظرية ما من خلال تجربة معينة فإن هذه النظرية تكون لها صفة علمية ، أما إذا لم يكن هناك أى تجربة أو طريقة لإثبات خطأ النظرية محل الدراسة ، فتكون بهذا ليست جزءاً من العلوم التجريبية وتحال إلى ما دون ذلك من علوم ماوراء الطبيعة أو الأدبيات أو ما إلى ذلك

إذاً النظريات المعرفية ، التى يمكن أن نطلق عليها أنها (علمية) ونقصد بذلك أنها تخضع لقواعد العلم التجريبى يجب أن تكون مبنية على (السببية) ويجب أن تكون (قابلة للخطأ) ، بالطبع فى الإطار المرجعى الخاص بها

إذا عدنا إلى الدين وطرق الإستدلال فيه ، فإن حقائق الدين لا يمكن أن تخضع إلى السببية ولا إلى قابلية الخطأ ، لأن الدين قائم من البداية على أصل لا يمكن إثباته بالتجربة ألا وهو (الإيمان) فالإيمان بمعناه العلمى التجريبى يعنى (ما لايمكن إثباته ويستحيل نفيه) أى أن الإيمان (غير قابل للخطأ) إذا أخضعناه للعلم التجريبى وقواعده ، وبالتالى يفقد أول خاصية من خصائص النظريات العلمية ، أما السببية فتعنى بأن ما ينبنى على الدين كظاهرة لابد أن يكون لها سبب واضح معروف ، وكذلك الإيمان بأى دين ، وهذا يستحيل ، فلا يمكن تحديد سبب أو أكثر للدين كحقيقة ! وبهذا يفقد الدين الركن الثانى لاعتباره نظرية علمية

2- الإعجاز العلمى ومقتضيات الحقئق بين الدين والعلم التجريبى

منهج الإعجاز العلمى للنصوص الدينية يهدف إلى إيجاد علاقة بين بعض (النظريات العلمية) التى تتوافر فيها السببية والخطئية وبالتالى يمكن إعتبارها من العلم وليس من الخيال العلمى ، وبين النصوص الدينية من حيث مدلول النص النسبى بالنيبة للغة أو البلاغة أو التفسير الشخصى للباحث ، المشاكل الأصولية فى هذا المنهج تأتى من الجانبين العلمى والدينى ، فمن الجانب العلمى

1- إذا اختل أحد أعمدة النظرية العلمية من حيث كونها تعتمد على السببية وتتميز بكونها خطئية ، إذا لا تصبح النظرية تنتمى للعلم التجريبى وبهذا ينهار منهج الإعجاز عندئذ ، يمكن إعطاء مثال ممتاز على هذا الإختلال بالمواضيع التى تتحدث عن الإعجاز العلمى فى مسألة السموات السبع ومحاولة ربط هذه النصوص بنظرة تعدد الأكون ، لأن هذه النظرية لا تعتبر نظرية علمية لأنها ليست خطئية Unfalsifiable وبالتالى فعلماء الكونيات الغربيين يعتبرونها من أفرع الخيال العلمى أو العلوم الفلسفية وليست من العلوم التجربية

2- المشكلة الأصولية الثانية التى تهدم منهج الإعجاز العلمى هو أن النصوص الدينية لا يمكن إثبات أنها مبنية على السببية أو أنها خطئية ، وبالتالى فإنه يكون من المستحيل مقارنة نص دينى وما يقتضيه من حقائق بنظرية علمية تتميز بالسببية وبالخطئية ..! لأن عند هذه الحالة يكون الباحث كمن يحاول أن يجد أوجه التشابه بين فيل وكوب من عصير الليمون..!! تكون المقارنة بين نظرية تحكم الأسباب والتأثيرات بمنطق سببى وتتميز بكونها خطئية وبين نص يستمد صحته فقط من المؤمنين (بقدسيته) وبالطبع فإن قدسية النص نابعة من الإيمان بالدين الذى يرجع إليه ذلك النص ، وكما بينا فإن الإيمان – كحقيقة فضلاً عن كونه نظرية – لا يمكن إخضاعه لقواعد العلم التجريبى

3- المشكلة الأصولية الثالثة التى تواجه منهج الإعجاز العلمى ، وتجعل أنصاره يبدون كالبلهاء ، تتعلق بمقتضيات النص الدينى ، فهل تقارن النظرية العلمية بمقتضيات النص الدينى الفقهية ؟ أم اللغوية ؟ أم البلاغية؟ وما هو الإطار المرجعى للوصول إلى مقتضيات النصوص الدينية ؟ وهل يتوافق هذاالإطار المرجعى مع الإطار المرجعى للوصول إلى الحقائق العلمية ؟ على سبيل المثال إذا سلمنا أن مقتضيات النص الدينى العلمية يمكن الوصول إليها من خلال المعانى الحرفية للكلمات النص وأن المعانى البلاغية والفقهية لا تساهم على الإطلاق فى الوصول إلى المقتضى العلمى من النص ، فهل يتوافق هذا الإطار المرجعى مع الإطار المرجعى للوصول للحقائق التى تقتضيها نظية علمية ما ؟ بالتأكيد يستحيل أن يتوافق الإطار اللغوى والذى هو فى حقيقته (مطلق) مع الإطار التجريبى والذى هو فى حقيقته (نسبى) ، وبهذا يكون من المستحيل مقارنة نظرية علمية بنص دينى من حيث مقتضيات الحقائق التى يدل عليها كل منهما

4- المشكلة الأصولية الرابعة تتعلق بكون النظريات العلمية والأصول التى تقوم عليها ، ككونها نسبية وخطئية ، نسبية الصحة من حيث الزمن ، فعلى سبيل المثال كانت قوانين نيوتن مطلقة الصحة حتى وضع أينشتين النظرية النسبية ، فظهر أن قوانين نيوتن لا يمكن تطبيقها على حركة الضوء ، أى أنها غير صحيحة عندما تصف حركة الضوء ، وعلى سبيل المثال أيضاً فلا يمكن الجزم بأن نظريات علم الكونيات وبعض نظريات ميكانيكا الكم التى لم يتم إثبات صحتها حتى الآن لن يتم إثبات صحتها فى المستقبل القريب أو البعيد ، بنما تقف النصوص الدينية فى هذا السياق على النقيض التام ، فإن النصوص الدينية تستمد حجيتها من (صحتها) والتى يمكن بحثها وإثباتها من خلال علوم غير تجريبية ولا تخضع لقواعد العلم التجريبى وهى علوم الشريعة ، أى أنه – على سبيل المثال – أحاديث صحيح البخارى تستمد حجيتها من صحتها والتى تثبت منها الإمام البخارى وتحقق من تلك الصحة علماء الحديث على مر التاريخ ، وبالتالى فإن صحة هذه النصوص الدينية مطلقة بالنسبة للزمن ، أى أنه لا يمكن أن يظهر عدم صحة أى من هذه النصوص فى المستقبل لأنه لكى يحدث ذلك يجب أن يعود الزمن إلى الخلف ، وينقض الإمام البخارى وعلماء الحديث صحة بعض هذه النصوص ، وبالتالى فيمكن القول أن صحة النصوص الدينية مطلقة بالنسبة للزمن ، ومن هذا فيكون من المستحيل مقارنة حقيقتين أحداهما ذات صحة نسبية بالنسبة للزمن والأخرى ذات صحة مطلقة بالنسبة للزمن ، لأنه فى هذه الحالة ستكون هذه المقارنة غير صحيحة لا بالنسبة للوقت الحالى ولا بالنسبة للمستقبل ، بينما مقارنة حقيقتين صحيحتين نسبياً تكون مقبولة فى زمن المقارنة ومقارنة حقيقتين صحيحتين مطلقا تكون مقبولة فى زمن المقارنة وفى المستقبل

الخلاصة

من هذا كله يمكن لنا أن نرى أن المنهج المسمى (بالإعجاز العلمى فى القرآن والسنة) منهج غير صحيح بالنسبة لطرفى البحث ، العلم التجريبى والنصوص الدينية ، ولهذا فيجب على المسلمين اليوم أن يضعوا كل شئ فى نصابه الصحيح ، فالعلم التجريبى يجب أن تتم دراسته بالقواعد الفلسفية والمعرفية التى يخضع لها ، والنصوص الدينية يجب بحثها دراستها ودراسة مقتضياتها من خلال العلوم الشرعية والقواعد الأصولية التى تحكم هذه النصوص

أما أى خلط بين الإثنين فلايدل إلا على جهل مطبق بقواعد المعرفة الفلسفية التى بنى علهيا العلم التجريبى

 

 

 

كتاب رودنى هولدر :”الإله،الأكوان المتعددة ،وكل شئ”…نقد فرضية الأكوان المتعددة

رودني هولدر

عن المؤلف

رودني هولدر، قسيس ينتمى للكنيسةالانجليكانية وهو حاليا مسئول عن رعايا أبرشية أكسفورد بإنكلترا. خلال الأعوام السابقة كان الدكتور هولدر يعمل كمستشار علمي لوزارة الدفاع البريطانية ، حيث أنه قد درس الرياضيات في كلية ترينيتي في كامبردج Trinity College at Cambridge، وقد حصل على درجة الدكتوراه فى الفيزياء الفلكية astrophysics  من كلية المسيح بأكسفورد فى عام 1978.

عمل هولدر لمدة أربعة عشر عاما مع شركة بريطانية رائدة فى تطبيق تقنيات النمذجة الرياضية لدراسات الدفاع ، ثم عاد بعد ذلك  إلى جامعة أكسفورد لدراسة علم اللاهوت في باحة ويكليف Wycliffe Hall. ليحصل على مرتبة الشرف الأولى فى علم اللاهوت فى سنة 1996 ويتم ترسيمه قسيسا فى كاتدرائية كوفنترى.

بعد أربع سنوات قضاها في كنيسة بأرويكشايرالجنوبية ومدة تفرغ كقسيس من الكنيسة الإنجليزية في هايدلبرغ ، تم تعيينه في منصبه الحالي في عام 2002. وقد نشر هولدر العديد من الكتب ، سواء في مجال العلم واللاهوت النصرانى ، والبحوث التي نشرت فى العديد من الدوريات الأكاديمية ، و كتابه الأخير “الإله ، الأكوان المتعددة ، وكل شيء” قد نشر فى  نهاية عام 2004 ويقدم فى هذا الكتاب تحليل نقدى لقضية التدقيق المتناهى fine tuning ، بالإضافة إلى دراسة جيدة للغاية لإثبات الأهمية الميتافيزيائية لهذا التدقيق من خلال إستخدامه لنظرية بايز Bayes لحساب الإحتمالات

عن الكتاب

الكتاب يطرح قضايا علم الكونيات كما تهم الفلسفة الحديثة ومناطق التماس والتقاطع بين علوم الأديان والفيزياء الكونية ، ويحاول هولدر فى من خلال هذا الكتاب تناول سؤال هام للغاية ، كما يشير فى مقدمة الكتاب ، وهذا السؤال هو: هل يمكن من خلال ما توصلت إليه البشرية فى علم الكونيات القول بأن الكون قد خضع “لتصميم” دقيق وهو ما يؤدى للقول بأن هناك “مصمم” أو “مبدع” والذى يمكن إطلاق عليه لقب “إله” كما يعرفه أتباع الديانات السماوية ؟ بصيغة أكثر إختصارا ، فإن السؤال الذى يدور حوله هذا الكتاب هو: هل يمكن الإستدلال على وجود “خالق” أو “إله” من خلال علم الكونيات الحديث؟

بالطبع فإنه قد يتبادر إلى الذهن أن موقف الكاتب – كلاهوتى ورجل دين – قد لا يكون محايدا فى طرح القضية ، أو تناول السؤال الفلسفى الذى يدور حوله موضوع الكتاب ، ولكن كون رودنى هولدر عالم متخصص فى الفيزياء الكونية فى الأساس ، وكونه أيضا من رموز الفلسفة الحديثة فى بريطانيا يعطى للكتاب وما يحتويه من تحليلات ، قد تكون رياضية فى بعض الأحيان ، ثقلاً قد لا يتوافر فى العديد من الكتب المماثلة التى قد ألفها إما علماء فلك ملحدون أو رجال دين غير مطلعون على علم الكونيات بالقدر الذى يمكنهم من إتخاذ مواقف نقدية دقيقة من نتائج وطرق هذا العلم

يقول هولدر فى مقدمة الكتاب: “فى هذا الكتاب ، أقوم بإخضاع فرضية {التأليه} للإختبار والتمحيص ، وهذه الفرضية هى التى يؤمن بها أتباع الديانات السماوية وهى تقول أنه الكون الذى نعرفه ونعيش فيه قد خضع {لتصميم} دقيق ، وأقارن هذه الفرضية بأكثر الفرضيات إنتقاداً لفرضية {التأليه} وهى فرضية {الأكوان المتعددة} التى تنص على أن ذلك الكون الذى نعرفه ونعيش فيه ما هو إلا أحد الأكوان اللانهائية فى الوجود، وأنه لا يمكن القول بأن الكون الذى نعيش فيه قد خضع لأى نوع من أنواع {التصميم} لأنه ليس إلا إتفاق عشوائى لمجموعة من القوانين التى أدت إلى الوجود البشرى”…ويضيف هولدر “تتطلب المواضيع التى يتناولها هذا الكتاب مناقشة عدة قضايا علمية أو تقنية ، فعلى سبيل المثال من الضرورى أن نتعرض لبعض مبادئ علم الكونيات وفيزياء الجسيمات ، ولكى نقارن فرضية الأكوان المتعددة بفرضية التأليه لابد من التعمق بعض الشئ فى الفلسفة البحتة ونظرية الإحتمالات الإحصائية ، وأيضا يجب أن يكون هناك بعض الإيضاحات المستوحاة من رياضيات المالانهاية the mathematics of infinity “

يتكون الكتاب من تسعة فصول عدا المقدمة والملحقات ، وعلى الرغم من اللهجة “التحذيرية” التى نوه بها هولدر عن إحتواء الكتاب للعديد من القضايا العلمية والتقنية ، إلا أن تلك القضايا قد قدمت وعرضت بشكل رائع يسهل على القارئ أن يلم بمقتضياتها ، بالإضافة إلى أن المعالجات الرياضية لهذه القضايا قد وضعت فى قسم الملحقات خارج نص الكتاب حتى لا تعترض ذهن القارئ أثناء القراءة….الكتاب رائع بحق ، ويستحق الوقت الذى قد أنفق لقراءته…ومن نافلة القول أن الكتاب يمثل مصدراً جيداً للغاية للرد على البلهاء من أدعياء الإلحاد العلمى فى الوطن العربى وإثبات تفاهة وضحالة أطروحاتهم التى ينسبونها -زوراً- للعلم الحديث ، والذى لا تربطهم به أى صلة من قريب أو بعيد

 

 

 

فرضية الأكوان المتعددة…بين ميكانيكا الكم والتطرف الإلحادى

تصور فني عن الأكوان المتعددة كما تراها نظرية الأوتار الفائقة

فرضية الأكوان المتعددة هى واحدة من أهم الفرضيات المتداولة فى علم الفلك الحديث ، وهى تقول – ببساطة – أن ما يستوعبه الإنسان على أنه “الكون” إنما هو “أحد” الأكوان الموجودة فى مجموعة لانهائية من الأكوان المماثلة والمناظرة ، بل والمختلفة أيضا…!

ظهر مصطلح الأكوان المتعددة  multiverse لأول مرة فى عام 1895 على يد فيلسوف أمريكى – كالعادة – يدعى ويليام جيمس [1] ، ويبدو أن هوس الأمريكيين بكل ماهو غريب وغير معقول كان قد بدأ منذ ذلك الوقت ، وتنص فرضية الأكوان المتعددة على وجود عدد لانهائى من الأكوان ، لكل منها قوانينه الطبيعية المستقلة والتى لا يمكن أن تدرك بواسطة من يعيشون فى أكوان مختلفة. للوهلة الأولى يبدو الحديث عن هذه الفرضية ، التى قد تبدو فلسفية أكثر منها علمية ، سخيفاً وشبيهاً بأفلام الخيال العلمى المريضة التى كانت تصنعها السينما الأمريكية فى السبعينيات والثمانينيات ، ولكن بالتعمق فى هذه الفرضية نصل إلى بعض الحقائق الهامة بشأن الدوافع – الخفية – التى أدت إلى صياغتها ، واستمرارها كأحد المواضيع التى تدرس فى علم الفلك الحديث إلى يومنا هذا

إذا تأملنا فى نص هذه الفرضية نجد أنه قد خضع لجدل ليس بالهين منذ صياغتها فعليا فى خمسينيات القرن الماضى على يد هيو إيفيرت [2] ، أحد طلبة الدكتوراه فى جامعة برينستون بأمريكا حينئذ ، حيث قدم هذه النظرية ليحاول أن يقترح تفسيراً لقوانين ميكانيكا الكم التى كانت ولا تزال خاضعة لشكوك أصولية تهدد وجودها فى كثير من الأحيان. السؤال الذى طرح قبل إيفيرت بخمسن عاماً عندما تقدم ماكس بلانك بنظريته عن ميكانيكا الكم كان : لماذا تتعارض قوانين ميكانيكا الكم مع قوانين الفيزياء المعروفة ؟ سواء الفيزياء التقليدية أو النسبية ؟

كما هو معروف عن قوانين ميكانيكا الكم أنها قوانين قائمة على الإحتمالات والعشوائية ، ببساطة شديدة ، الجسيم الكمى quantum particle له عدد لانهائى من إحتمالات الحركة فى لحظة معينة ، وعلى ذلك ، فنظريا يستحيل تحديد سرعة أو اتجاه أى جسيم كمى فى لحظة معينة ، وللتغلب على هذه المشكلة القاتلة فى ميكانيكا الكم تقدم رواد هذا العلم ببعض التفسيرات التى تجعل ميكانيكا الكم مقبولة ومنطقية ، أهم هذه التفسيرات هو تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم [3]، والذى تبنى أطروحة هايزنبرج [4] التى تقول بأنه بالرغم من وجود عدد لانهائى من الحالات العشواية لأى جسيم كمى ، فإن مجرد ملاحظة هذا الجسيم ومحاولة قياس أى حالة من حالاته تتدخل فى سلوكه وتجبره على اختيار حالة واحدة ليسلكها ، وعلى هذا تم تفسير العشوائية التى تنتج عند قياس الجسيمات الكمية وحركتها أو سلوكها الموجى…باختصار ، أطروحة هايزنبرج تقول أن الحواس الإنسانية تؤثر فى سلوك الجسيمات الكمية عند ملاحظتها !! بغض النظر عن الإثبات الرياضى لأطروحة هايزنبرج أو لتفسير كوبنهاجن ، فإنهما لم يقدما الكثير لإنقاذ ميكانيكا الكم من الخطر المحدق بها فلسفيا ومنطقيا ، حيث لاتزال سلوكيات الجسيمات الكمية – الغير خاضعة للمراقبة أو القياس –  محل شك وإفتراضات بما لايتوافق مع التدقيق المتناهى fine tuning المشاهد فى الكون ، ولاتزال العلاقة بين سلوك هذه الجسيمات والحواس الإنسانية أو أدوات القياس – للجسمات الغاضعة للمراقبة والقياس – غير معلومة…

إذاً فإن الجسيم الكمى ، والذى له طبيعتان جسيمية وموجية ، عندما يقوم أحد العلماء بقياس أى منهما فإنه سيكون قادرا على قياس أحدهما فقط طبقا لقوانين ميكانيكا الكم ، ما وضعه هاف إيفيرت كان عند هذا الحد حيث إقترح أنه فى تلك اللحظة ينقسم الكون إلى كونين حتى يمكن حل معادلة الإحتمالات لهذا الجسيم ، وفى الكون الآخر يتمكن نفس العالم – أو غيره – فى نفس اللحظة من قياس الطبيعة الثانية للجسيم الكمى…وإذا عممت قوانين ميكانيكا الكم على كل قوانين الفيزياء ، فسيعنى هذا أنه يوجد عدد لانهائى من الأكوان بكل منها عدد لانهائى من القوانين البديلة والمختلفة عن قوانين عالمنا هذا ، هذه القوانين لا نستطيع إدراكها بطبيعة الحال لأننها لسنا موجودين فى هذا “البعد”  dimension من الوجود existence  ، لهذا تسمى هذه الفرضية فى كثير من الأحيان فرضية الأبعاد المتوازية parallel dimensions ، والتى أصبحت فى النصف الثانى من القرن العشرين من أخصب الأفكار لتأليف وإنتاج أغلام الخيال العلمى والمسلسلات التليفزيونية التى نجحت إلى حد كبير فى إقناع المشاهد – الغربى والشرقى – بهذه الفكرة فى الإجمال ، فشاهدنا أفلاماً تتحدث عن أكوان لم تنقرض فيها الديناصورات وشاهدنا عوالم لم تحدث فيها الحربين العالميتين ، بل وقرأنا روايات عربية تتحدث عن أشخاص يسافرون عبر هذه الأكوان بجهاز يشبه الآلة الحاسبة…!

إلى هذا الحد يبدو أمر إعتيادياً ، عالم أمريكى يقدم نظرية خرقاء ، وينجح بشكل ما فى ربطها بميكانيكا الكم – أحد العلوم الطبيعية الوجيهة وذات الشأن – لينتهى الأمر ببعض الأعمال الدرامية التى تتخذ من هذه النظرية مادة للجمهور المدمن لعوامل الإثارة والإبهار…ولكن إذا تعمقنا خلف هذه الواجهة بعض الشئ ، سنجد أن فرضية الأكوان المتعددة كانت أهم العوامل التى أيدت المبدأ الأنثروبى [5] فى الفلسفة الحديثة والذى يعتبر أهم أعمدة الإلحاد العلمى فى عالمنا اليوم ، بل إن القول بأن المبدأ الأنثروبى بعتمد بشكل رئيسى على فرضية الأكوان المتعددة كإثبات “علمى” لصحته ، مع التحفظ بالطبع على كون هذه الفرضية من العلوم التجريبية حيث أنه لم يستدل عليها بأى مشاهدة طبيعية ، وعليه فإنه يتم نشر المبدأ الأنثروبى فى وسط النخب العلمية والمثقفة – وبالذات بين دارسى الدكتوراه فى الجامعات الغربية – على أنه مبدأ ذو “أدلة علمية” يقدم تفسير للوجود existence بدون خالق creator ويقدم أيضا – بما يثير التعجب – تفسيراً للتدقيق المتناهى والذى يعتبر أهم الأدلة التى يستدل بها الخلقيون creationsts على وجود خالق للكون

المبدأ الأنثروبى ينص على أن الوجود يشكل عامل إختيار selection factor يعمل على إختيار الخصائص والقوانين الكونية التى يمكن لنا أن ندركها ، حيث أنه هناك عدد لانهائى من البدائل للخصائص والقوانين الكونية التى يمكن أن نشاهدها فى أكوان أخرى ، ولكن نظرا لوجودنا فى هذا الكون فإننا يمكن فقط أن نشاهد عددا معينا وعمقا محددا من هذه الخصائص والقوانين الطبيعية ، وعلى هذا فإن ما نشاهده على أنه تدقيق متناهى للكون وتصميم ذكى Intelligent design ماهو إلا مجموعة من القوانين يوجد عدد لانهائى من بدائلها العشوائية فى أكوان أخرى ، وأن هذا التصميم الذى ماهو إلا الحد المحدود من قدرتنا على الإدراك ، وأنه هذا الحد لو إتسع على سبيل الفرض فسوف يصبح هذا التصميم الذكى للكون والتدقيق المتناهى لخصائصه عشوائيين تماما.

إذاً ، العلاقة بين فرضية الأكوان المتعددة والمبدأ الأنثروبى واضحة للغاية ، إذا وجدت أكوان أخرى فإنه يسهل تفسير هذا التدقيق المتناهى الذى يحير علماء الطبيعة منذ بداية عصر الإلحاد المسمى بالتنوير فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ، ولكن المثير للسخرية أن فرضية الأكوان المتعددة فى ذاتها ليست حقيقة علمية ولا تقوم عليها أى مشاهدات قوية تصمد أمام النقد العلمى العادل ، وإنما هى نفسها محاولة لتفسير سلوك الجسيمات الكمية الخاضعة لقوانين ميكانيكا الكم ، التى بدورها افترضت إنعدام التصميم الذكى وفكرة الخلق…! الشئ الوحيد الثابت عبر هذه النظريات والفرضيات هو الإصرار الغربى على الإلحاد وإنكار وجود الخالق ، وإعتماد هذا الإصرار كأساس للإنطلاق نحو تقديم تفسيرات وأطروحات وفرضيات علمية تمس تقدم البشرية ورقيها ، بل وتمس الواقع اليومى لبنى آدم على الأرض…

بالطبع فإن إدراك العلاقة بين “عقيدة” الإلحاد كأساس لمثل هذه الفرضيات والأطروحات التى ينبهر بها الناس شرقا وغريبا يحتاج إلى وقفة مع تاريخ العلوم فى أوروبا خلال عصر الإلحاد أو مايسمى بــ”التنوير” ، وهو ما يصعب توقعه من مدعى الـ”ثقافة” فى العالم العربى الآن ، هؤلاء الذين لايزالون يرددون بكل غباء ترهاتهم عن التقدم الغربى والحداثة والتنوير والحرية والليبرالية وما إلى هذه المصطلحات التى ما هى إلا تجسد للتعصب الإلحادى الغربى فى أشد صوره

المراجع

[1] M. Kaku (2006) Parallel worlds: a journey through creation, higher dimensions, and the future of the cosmos, Anchor Books

[2] B. Carr (2007) Universe or multiverse? Cambridge University Press

[3] J. Mehra and H. Rechenberg (2001) The Historical Development of Quantum Theory: The Fundamental Equations of Quantum Mechanics 1925-1926 : The Reception of the Quantum Mechanics 1925-1926 – Reprint

[4] W. Heisenberg, C. Eckart (1930) The physical principles of the quantum theory, Courier Dover Publications

[5] F. J. Tipler (1988) The anthropic cosmological principle, Oxford University Press

بين العلم اليقينى والعلم الظنى…ضوابط يجب أن تراعى

العلم التجريبى الحديث ، كما وضع أصوله وقواعده روجر بيكون وتلامذته ، قائم بشكل مطلق على المشاهدة والإستنتاج…مشاهدة الظواهر الطبيعية  – أو آثارها ودلائلها – بالحواس الخمسة ، ثم الإستنتاج أو الإستنباط المبنى على المنطق العقلى المحض ، وهو علم لا يؤمن بوجود الخالق ، أو بمعنى آخر علم يبنى أصوله وقواعده على فرضية أن العالم قد وجد بالصدفة – كما فى نظرية الإنفجار الكبير لجورج ليميت - أو أن هذا العالم سرمديٌ – كما فى نظرية الأكوان المتعددة لماكس تيجمارك - أى أن أصول العلم التجريبى مشيدة على مبدأ عدم وجود خالق لهذا الكون الذى يستطيع البشر الإستدلال على وجوده من خلال العلم التجريبى

بطبيعة الحال فإن أكبر مشكلة – أصولية إن جاز التعبير – تواجه العلم الحديث منذ أن صاغ أينشتين النظرية النسبية العامة هى إستحالة التسليم بإحدى هاتين النظريتين لتفسير (حدوث) الكون ، وبالتالى إستحالة التسليم بانعدام الخالق. لقد نشأت هذه المشكلة منذ أن عجز العلم التجريبى عن صياغة (إستنتاج) منطقى للعديد من الظواهر الكونية التى إستدل عليها العلماء المعاصرون بالحواس الخمسة ، وأهم هذه الظواهر هى:

1- الإتساع المطرد للكون - وقد تم طرح بعض الإستنتاجات والتفسيرات لهذه الظاهرة ، من أهمها أن الإنفجار الكبير لا يزال يحدث ، وسيظل يحدث ، ومن أهمها أطروحة الثابت الكونى لأينشتين ، وفرضية الطاقة المظلمة (السلبية) التى تغمر الكون بين الأجرام السماوية… ولكن كل هذه التفسيرات ظلت مجرد أطروحات نظرية بحتة لا يقوم عليها أى دليل…

2- غياب الكتلة المفترضة للكون – فعند حساب قوى التجاذب بين الأجرام السماوية ، ومقارنتها بكتلة تلك الأجرام يتضح أن هذه القوى هائلة جدا بالنسبة لكتلة الأجرام الخاضعة لها ، وقد فتحت هذه المشاهدة الباب أمام واحدة من (أسخف) الأطروحات فى الفيزياء النظرية وهى أطروحة المادة المظلمة ، والتى تقول بأن الفضاء الذى يحيط بالأجرام السماوية له كتلة ما ، ولكنه مكون من مادة لا يمكن للبشر إدراكها…وهذا بالطبع يتناقض مع أصل العلم التجريبى التى تحيل تفسير كل الظواهر إلى الإدراك البشرى

3- التدقيق المتناهى Fine Tuning للقوى الكونية ، فعلى سبيل المثال لو فرض أن قوة الجاذبية الأرضية أصغر من قيمتها الحالية (9.8 م/ث2) بقيمة أصغر من 1 على ألف تريليون من القيمة الحالية ، فإن النظام الطبيعى على سطحكوكب الأرض يختل تماما بحيث تستحيل الحياة على سطح الأرض ، وكذلك بالنسبة لقوى التجاذب بين الجرام السماوية ، فإذا إختلت تلك القوى بمقدار متناهى فى الصغر ( قد يقدر بواحد على يساره 180 صفر قبل العلامة العشرية) فإن النظام الكونى قد ينهار تماما…هذا التدقيق المتناهى للكون يطرح شكوك هائلة حول نظرية الإنفجار الكبير ، إذ أن النموذج الحالى للكون بهذا التدقيق المتناهى لا يمكن أن يكون خاضع لاتساع مطرد عشوائى يهيمن على أجرامه السماوية ومداراته ، وهذا التدقيق المتناهى أيضا يفتح الباب على مصراعيه أمام أطروحة التصميم الذكى Intelligent Design للكون ، والتى تنتهى بالإستدلال على الخالق

هذه هى ثلاثة أمثلة ، طرحتها فقط لإثبات أن العلم التجريبى الحديث – الآن – يواجه أصعب مراحله منذ نشوئه فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ، وهذه المرحلة قد تنتهى بتحطيم قواعد العلم التجريبى كما عرفناه طوال هذه القرون…مشكلة العلم التجريبى الحديث أنه بنى على فرض أن الكون مستمر وباق بدون أى رعاية أو ضبط مستمر لحركته وصفاته ، وحتى يتم ذلك فإن العلم التجريبى أيضا قد افترض أن هناك مجموعة من القوانين الدقيقة الجامدة التى تحكم هذا الكون ، وأن الحواس البشرية تستطيع الوضول إليها بواسطة المشاهدة والإستنتاج…ثم فى النهاية تبين أن كل القوانين التى يضعها البشر بواسطة قواعد العلم الحديث تنهدم كلما تطورت أدوات المشاهدة ! هذه هى المشكلة الحقيقية…ويالها من مشكلة…!

على النقيض تماما من العلم التجريبى يقف العلم الطبيعى فى الإسلام…. باختصار شديد ، العلم الطبيعى من المنظور الإسلامى مبنى على الإيمان بوجود صانع وخالق لهذا الكون ، هذا الصانع يتصف بصفات الكمال المطلقة كما يمكن أن يتخيلها المنطق البشرى ، ولاتصافه بهذه الصفات فإن الكون الذى خلقه منضبط إلى هذا الحد الهائل ، بل وفوق هذا الحد أيضا ، كما لا يمكن لبشر أن يتخيل…أما حدود الإدراك البشرية فتنتهى عند إدراك بعض القوانين التى نتجت عن إحكام خلق الكون ، وبواسطة موهبة الإستنتاج والتفكير الذكى الذى وضعه هذا الخالق فى عقل البشر ، فإنهم يستطيعون إستنباط القوانين التى تمكنهم من الحياة برفاهية على سطح الأرض من المشاهدات الطبيعية…وعندما يطرح الإسلام مبدأ أن القوانين المدركة (ناتجة) عن النظام الذى وضعه خالق الكون وليست (حاكمة) لهذا الكون فإنه يفتح الباب على مصراعيه أمام أى مشاهدة تخالف ما عرفه البشر من نظريات أو قواعد ، وبهذا فإنه يعطى حرية فكرية أوسع وأكبر للإستنتاج والإستنباط ، وفى نفس الوقت يكرس الإيمان بصفات (القدرة) و(الملك) و(الحكمة) المطلقة التى يتصف بها الخالق الذى يستطيع أن يغير كل هذه القوانين الطبيعية أو بعضها كيفما شاء ووقتما شاء ، وهنا يكتفى العلم التجريبى الحديث بكلمة (ظاهرة غير مفسرة Unexplained Phenomenon) أو (ظاهرة مما وراء الطبيعة Metaphysical Phenomenon) لوصف ما يحدث…

إذن يمكننا من هذا أن نستنتج أنه من المستحيل أن يؤمن المرء بأصول وقواعد العلم التجريبى الحديث والإسلام فى آن واحد…! نعم ! لأنه إذا ادعى المرء هذا التناقض فأول ما سيصطدم به عند تعمقه فى دراسة أى فرع من فروع العلوم الطبيعية هو (تفسير) الظواهر الطبيعية الغير مألوفة…فإذا نحا نحو تفسيرها تبعاً للقوانين المعروفة والموضوعة بأصول العلم التجريبى الحديث فسيكون الفشل الذريع من نصيبه…وإذا حاول أن يعزو هذه الظواهر لتدخل ذو طبيعة (إلهية) فسيكون أضحوكة العلماء التجريبيين الحداثيين ، بل وسينقض قواعد العلم الذى يؤمن به…

الضوابط العقلية والفكرية التى يجب أن تحكم علماء المسلمين الذين إنتووا أن يمخروا عباب العلوم الطبيعية هى (الإيمان) المطلق بأن القوانين التى يستدلون عليها من مشاهداتهم إنما (نتجت) عن تصرف (الخالق) جل وعلا فى ملكه وليست تلك القوانين هى التى (تحكم) تصرف الظواهر الطبيعية التى يشاهدونها…فعلى سبيل المثال ، يجب أن يؤمن علماء الفلك المسلمون بأن حركة القمر حول الشمس والقوانين التى تحكمها إنما نتجت عن مقادير معينة قدرها الله لهذه الأجرام ، وهو قادر على أن يغيرها لثانية أو حتى فمتوثانية ، وأنها ليست تلك الوانين هى التى تحكم حركة القمر ولا غيره من الأجرام السماوية

وثانى هذه الضوابط هو (تقديس) نصوص الوحيين لأن فيها علم يقينى لا يشوبه النقصان أو الخلل ، وإعطاء هذه النصوص أهمية تزيد بقدر هائل عن الأهمية التى تعطى لغيرها من النصوص من حيث مكانتها فى الإستدلال على الحقائق الكونية والطبيعية ، ومن حيث مكانتها فى التطبيق والتشريع وما إلى ذلك…وأعنى بكلمة (التقديس) الخضوع والإنقياد لنصوص الوحيين ومنع (أدوات) العلم التجريبى الحديث من (تلويثها) والخوض فيها…فعلا سبيل المثال ليس لأحد الأطباء المسلمين أن يقارن بين حديث فى الصحيحين وبين تقرير طبى أعده بعض العلماء التجريبيين بأدواتهم وعلومهم وأصولهم التى مكانها الآن التشكيك والسؤال والتمحيص…لا ينبغى لطبيب مسلم أن يفعل هذا ، وإلا كان عليه أن يراجع إيمانه (بقدسية) الوحى…

أما ثالث هذه الضوابط فهو (معرفة قدر حواسه) وقدراتها وحدودها ، فيصون عقله وقلبه ووقته من أن يضيعه فى أمور قد قدر الله علي البشر أنهم لن يدركوها…فإذا كان من العالم المسلم حق الخضوع لسلطان الله وملكه ، والمعرفة بقدره جل وعلا وتسلطه المطلق على كافة خلقه ، فسيتوقف عن الخوض فى مسائل الجدل النظرية التى لا مقصد من مقاصد عمارة الأرض واستخلافها من ورائها ، فإذا شعر بأنه بصدد مسألة تتعلق بإرادة الله وتصرفه فى ملكه ، كان ذلك صارفاً له عن تلك المسألة إلى غيرها مما يسر الله للبشر إدراكه لتحقيق مقصد من مقاصد الشريعة…

العلم اليقينى هو ماجاء به النبى – صلوات الله وسلامه عليه – وما دون ذلك كله فظنٌ…وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.