أرشيف المدونة

بين الدين والعلم…إختلاف طرق الإستدلال ومقتضيات الحقائق

بين قدسية النصوص الإسلامية وتجريبية العلوم الحديثة

من أكبر المشاكل الفكرية التى تواجه المسلمين اليوم الخلط المتعمد بين الدين والعلم منن حيث طرق الإستدلال ومقتضيات الحقائق ، وهذا فى رأيى قد نتج عن الكلام فى موضوع الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة والذى أعتبره من الدجل والنصب والإحتيال الدينى والعلمى ، السبب فى هذا الرأى هو الإختلاف البين بين الإطار المرجعى Frame of Reference لكل من الدين والعلم فالإطار المرجعى للدين (وأعنى بالدين الإسلام فقط بالطبع فى هذا السياق) هو علوم الشريعة وأصولها ، مثل علم الحديث والتفسير والأصول ، بينما الإطار المرجعى للعلم هو إطار العلم التجريبى الذى وضعه روجر بيكون ، كما شرحنا هذه الإطار وناقشناه من قبل ، وهذين الإطارين مختلفين أيما اختلاف ، أضف إلى هذا أمر آخر ، هو مقتضيات الحقائق ، فالحقيقة بالمعنى الدينى لها مقتضيات إعتقادية أو عملية تتعلق بالدين فقط ، بينما الحقيقة بالمعنى العلمى لها مقتضيات تتعلق بالمعنى العلمى فقط أيضا ، فعلى سبيل المثال الحقيقة الدينية التى تنص على ثبوت الخلق ومن ثم وجود الخالق ، تقتضى وجوب البحث عن الدين الصحيح ووجوب عبدة هذا الخالق ، بينما حقيقة حدوث الإنفجار الكبير Big Bang فى علم الكونيات لا تقتضى إلا التسليم بهذه الحقيقة ووضعها موضع الفرضيات أو المعطيات عند بحث مسألة ما تتعلق ببداية الكون ، فلا تقتضى تلك الحقيقة العلمية أى فعل أو عمل متعدى يتعلق بالإنسان وحياته الإجتماعية أو نظامه الخلقى

هذا المقال يهدف إلى توضيح الفوارق الأصولية بين الدين والعلم من حيث طرق الإستدلال ، ومقتضيات الحقائق ، بما يقودنا إلى نفى صحة (الإعجاز العلمى فى النصوص الدينية) كمنهج بحثى من الأساس

1- طرق الإستدلال

إن طرق الإستدلال العلمى تعتمد كليا على التجربة والمشاهدة ، وتعتمد أيضا على منطقية الإستنتاج من التجربة أو المشاهدة ، وفى هذا السياق يجب تعريف مصطلحين فى غاية الأهمية يتعلقان بنظرية المعرفة فى العلم الحديث ، التى يمكن تعريبها بكلمة الإيبستمولوجيا ، هذين المصطلحين هما السببية Causality  و الخطئية Falsifiability  ، بالطبع فإن ترجمة هذين المطصلحين قد لا تكون دقيقة بالقدر الكافى ، ولكن أرجو أن تكون كافية لسياق هذا المقال

السببية هو مصطلح يعنى بتفسير العلاقة بين السبب والظواهر المتعلقة بهذا السبب أو التأثير المترتب على هذا السبب ، والسببية هى أحد الأعمدة الفلسفية التى تقوم عليها طرق الإستدلال فى العلم التجريبى ، بمعنى أنه لكى تفسر ظاهرة معينة تفسيراً علمياً لابد أن يكون هناك نظرية (سببية) تربط هذه الظاهرة وتأثيراتها بسبب أو أسباب محددة ، وإلا سيكون تفسير الظاهرة تفسيراً (فرضياً) لا يمكن إعتباره من اللم التجريبى أو إخضاعه للبحث والتمحيص

أما الخطئية ، أو قابلية الخطأ كما ترجم المصطلح فى ويكيبيدا ، فهى تعنى باختبار قابلية الخطأ لأى نظرية علمية ، فإذا كان هناك قابلية للخطأ فيكون من الواجب قبول هذه النظرية كجزء من العلم التجريبى ، بمعنى آخر فإذا كان من الممكن أن نظهر خطأ نظرية ما من خلال تجربة معينة فإن هذه النظرية تكون لها صفة علمية ، أما إذا لم يكن هناك أى تجربة أو طريقة لإثبات خطأ النظرية محل الدراسة ، فتكون بهذا ليست جزءاً من العلوم التجريبية وتحال إلى ما دون ذلك من علوم ماوراء الطبيعة أو الأدبيات أو ما إلى ذلك

إذاً النظريات المعرفية ، التى يمكن أن نطلق عليها أنها (علمية) ونقصد بذلك أنها تخضع لقواعد العلم التجريبى يجب أن تكون مبنية على (السببية) ويجب أن تكون (قابلة للخطأ) ، بالطبع فى الإطار المرجعى الخاص بها

إذا عدنا إلى الدين وطرق الإستدلال فيه ، فإن حقائق الدين لا يمكن أن تخضع إلى السببية ولا إلى قابلية الخطأ ، لأن الدين قائم من البداية على أصل لا يمكن إثباته بالتجربة ألا وهو (الإيمان) فالإيمان بمعناه العلمى التجريبى يعنى (ما لايمكن إثباته ويستحيل نفيه) أى أن الإيمان (غير قابل للخطأ) إذا أخضعناه للعلم التجريبى وقواعده ، وبالتالى يفقد أول خاصية من خصائص النظريات العلمية ، أما السببية فتعنى بأن ما ينبنى على الدين كظاهرة لابد أن يكون لها سبب واضح معروف ، وكذلك الإيمان بأى دين ، وهذا يستحيل ، فلا يمكن تحديد سبب أو أكثر للدين كحقيقة ! وبهذا يفقد الدين الركن الثانى لاعتباره نظرية علمية

2- الإعجاز العلمى ومقتضيات الحقئق بين الدين والعلم التجريبى

منهج الإعجاز العلمى للنصوص الدينية يهدف إلى إيجاد علاقة بين بعض (النظريات العلمية) التى تتوافر فيها السببية والخطئية وبالتالى يمكن إعتبارها من العلم وليس من الخيال العلمى ، وبين النصوص الدينية من حيث مدلول النص النسبى بالنيبة للغة أو البلاغة أو التفسير الشخصى للباحث ، المشاكل الأصولية فى هذا المنهج تأتى من الجانبين العلمى والدينى ، فمن الجانب العلمى

1- إذا اختل أحد أعمدة النظرية العلمية من حيث كونها تعتمد على السببية وتتميز بكونها خطئية ، إذا لا تصبح النظرية تنتمى للعلم التجريبى وبهذا ينهار منهج الإعجاز عندئذ ، يمكن إعطاء مثال ممتاز على هذا الإختلال بالمواضيع التى تتحدث عن الإعجاز العلمى فى مسألة السموات السبع ومحاولة ربط هذه النصوص بنظرة تعدد الأكون ، لأن هذه النظرية لا تعتبر نظرية علمية لأنها ليست خطئية Unfalsifiable وبالتالى فعلماء الكونيات الغربيين يعتبرونها من أفرع الخيال العلمى أو العلوم الفلسفية وليست من العلوم التجربية

2- المشكلة الأصولية الثانية التى تهدم منهج الإعجاز العلمى هو أن النصوص الدينية لا يمكن إثبات أنها مبنية على السببية أو أنها خطئية ، وبالتالى فإنه يكون من المستحيل مقارنة نص دينى وما يقتضيه من حقائق بنظرية علمية تتميز بالسببية وبالخطئية ..! لأن عند هذه الحالة يكون الباحث كمن يحاول أن يجد أوجه التشابه بين فيل وكوب من عصير الليمون..!! تكون المقارنة بين نظرية تحكم الأسباب والتأثيرات بمنطق سببى وتتميز بكونها خطئية وبين نص يستمد صحته فقط من المؤمنين (بقدسيته) وبالطبع فإن قدسية النص نابعة من الإيمان بالدين الذى يرجع إليه ذلك النص ، وكما بينا فإن الإيمان – كحقيقة فضلاً عن كونه نظرية – لا يمكن إخضاعه لقواعد العلم التجريبى

3- المشكلة الأصولية الثالثة التى تواجه منهج الإعجاز العلمى ، وتجعل أنصاره يبدون كالبلهاء ، تتعلق بمقتضيات النص الدينى ، فهل تقارن النظرية العلمية بمقتضيات النص الدينى الفقهية ؟ أم اللغوية ؟ أم البلاغية؟ وما هو الإطار المرجعى للوصول إلى مقتضيات النصوص الدينية ؟ وهل يتوافق هذاالإطار المرجعى مع الإطار المرجعى للوصول إلى الحقائق العلمية ؟ على سبيل المثال إذا سلمنا أن مقتضيات النص الدينى العلمية يمكن الوصول إليها من خلال المعانى الحرفية للكلمات النص وأن المعانى البلاغية والفقهية لا تساهم على الإطلاق فى الوصول إلى المقتضى العلمى من النص ، فهل يتوافق هذا الإطار المرجعى مع الإطار المرجعى للوصول للحقائق التى تقتضيها نظية علمية ما ؟ بالتأكيد يستحيل أن يتوافق الإطار اللغوى والذى هو فى حقيقته (مطلق) مع الإطار التجريبى والذى هو فى حقيقته (نسبى) ، وبهذا يكون من المستحيل مقارنة نظرية علمية بنص دينى من حيث مقتضيات الحقائق التى يدل عليها كل منهما

4- المشكلة الأصولية الرابعة تتعلق بكون النظريات العلمية والأصول التى تقوم عليها ، ككونها نسبية وخطئية ، نسبية الصحة من حيث الزمن ، فعلى سبيل المثال كانت قوانين نيوتن مطلقة الصحة حتى وضع أينشتين النظرية النسبية ، فظهر أن قوانين نيوتن لا يمكن تطبيقها على حركة الضوء ، أى أنها غير صحيحة عندما تصف حركة الضوء ، وعلى سبيل المثال أيضاً فلا يمكن الجزم بأن نظريات علم الكونيات وبعض نظريات ميكانيكا الكم التى لم يتم إثبات صحتها حتى الآن لن يتم إثبات صحتها فى المستقبل القريب أو البعيد ، بنما تقف النصوص الدينية فى هذا السياق على النقيض التام ، فإن النصوص الدينية تستمد حجيتها من (صحتها) والتى يمكن بحثها وإثباتها من خلال علوم غير تجريبية ولا تخضع لقواعد العلم التجريبى وهى علوم الشريعة ، أى أنه – على سبيل المثال – أحاديث صحيح البخارى تستمد حجيتها من صحتها والتى تثبت منها الإمام البخارى وتحقق من تلك الصحة علماء الحديث على مر التاريخ ، وبالتالى فإن صحة هذه النصوص الدينية مطلقة بالنسبة للزمن ، أى أنه لا يمكن أن يظهر عدم صحة أى من هذه النصوص فى المستقبل لأنه لكى يحدث ذلك يجب أن يعود الزمن إلى الخلف ، وينقض الإمام البخارى وعلماء الحديث صحة بعض هذه النصوص ، وبالتالى فيمكن القول أن صحة النصوص الدينية مطلقة بالنسبة للزمن ، ومن هذا فيكون من المستحيل مقارنة حقيقتين أحداهما ذات صحة نسبية بالنسبة للزمن والأخرى ذات صحة مطلقة بالنسبة للزمن ، لأنه فى هذه الحالة ستكون هذه المقارنة غير صحيحة لا بالنسبة للوقت الحالى ولا بالنسبة للمستقبل ، بينما مقارنة حقيقتين صحيحتين نسبياً تكون مقبولة فى زمن المقارنة ومقارنة حقيقتين صحيحتين مطلقا تكون مقبولة فى زمن المقارنة وفى المستقبل

الخلاصة

من هذا كله يمكن لنا أن نرى أن المنهج المسمى (بالإعجاز العلمى فى القرآن والسنة) منهج غير صحيح بالنسبة لطرفى البحث ، العلم التجريبى والنصوص الدينية ، ولهذا فيجب على المسلمين اليوم أن يضعوا كل شئ فى نصابه الصحيح ، فالعلم التجريبى يجب أن تتم دراسته بالقواعد الفلسفية والمعرفية التى يخضع لها ، والنصوص الدينية يجب بحثها دراستها ودراسة مقتضياتها من خلال العلوم الشرعية والقواعد الأصولية التى تحكم هذه النصوص

أما أى خلط بين الإثنين فلايدل إلا على جهل مطبق بقواعد المعرفة الفلسفية التى بنى علهيا العلم التجريبى

 

 

 

كتاب رودنى هولدر :”الإله،الأكوان المتعددة ،وكل شئ”…نقد فرضية الأكوان المتعددة

رودني هولدر

عن المؤلف

رودني هولدر، قسيس ينتمى للكنيسةالانجليكانية وهو حاليا مسئول عن رعايا أبرشية أكسفورد بإنكلترا. خلال الأعوام السابقة كان الدكتور هولدر يعمل كمستشار علمي لوزارة الدفاع البريطانية ، حيث أنه قد درس الرياضيات في كلية ترينيتي في كامبردج Trinity College at Cambridge، وقد حصل على درجة الدكتوراه فى الفيزياء الفلكية astrophysics  من كلية المسيح بأكسفورد فى عام 1978.

عمل هولدر لمدة أربعة عشر عاما مع شركة بريطانية رائدة فى تطبيق تقنيات النمذجة الرياضية لدراسات الدفاع ، ثم عاد بعد ذلك  إلى جامعة أكسفورد لدراسة علم اللاهوت في باحة ويكليف Wycliffe Hall. ليحصل على مرتبة الشرف الأولى فى علم اللاهوت فى سنة 1996 ويتم ترسيمه قسيسا فى كاتدرائية كوفنترى.

بعد أربع سنوات قضاها في كنيسة بأرويكشايرالجنوبية ومدة تفرغ كقسيس من الكنيسة الإنجليزية في هايدلبرغ ، تم تعيينه في منصبه الحالي في عام 2002. وقد نشر هولدر العديد من الكتب ، سواء في مجال العلم واللاهوت النصرانى ، والبحوث التي نشرت فى العديد من الدوريات الأكاديمية ، و كتابه الأخير “الإله ، الأكوان المتعددة ، وكل شيء” قد نشر فى  نهاية عام 2004 ويقدم فى هذا الكتاب تحليل نقدى لقضية التدقيق المتناهى fine tuning ، بالإضافة إلى دراسة جيدة للغاية لإثبات الأهمية الميتافيزيائية لهذا التدقيق من خلال إستخدامه لنظرية بايز Bayes لحساب الإحتمالات

عن الكتاب

الكتاب يطرح قضايا علم الكونيات كما تهم الفلسفة الحديثة ومناطق التماس والتقاطع بين علوم الأديان والفيزياء الكونية ، ويحاول هولدر فى من خلال هذا الكتاب تناول سؤال هام للغاية ، كما يشير فى مقدمة الكتاب ، وهذا السؤال هو: هل يمكن من خلال ما توصلت إليه البشرية فى علم الكونيات القول بأن الكون قد خضع “لتصميم” دقيق وهو ما يؤدى للقول بأن هناك “مصمم” أو “مبدع” والذى يمكن إطلاق عليه لقب “إله” كما يعرفه أتباع الديانات السماوية ؟ بصيغة أكثر إختصارا ، فإن السؤال الذى يدور حوله هذا الكتاب هو: هل يمكن الإستدلال على وجود “خالق” أو “إله” من خلال علم الكونيات الحديث؟

بالطبع فإنه قد يتبادر إلى الذهن أن موقف الكاتب – كلاهوتى ورجل دين – قد لا يكون محايدا فى طرح القضية ، أو تناول السؤال الفلسفى الذى يدور حوله موضوع الكتاب ، ولكن كون رودنى هولدر عالم متخصص فى الفيزياء الكونية فى الأساس ، وكونه أيضا من رموز الفلسفة الحديثة فى بريطانيا يعطى للكتاب وما يحتويه من تحليلات ، قد تكون رياضية فى بعض الأحيان ، ثقلاً قد لا يتوافر فى العديد من الكتب المماثلة التى قد ألفها إما علماء فلك ملحدون أو رجال دين غير مطلعون على علم الكونيات بالقدر الذى يمكنهم من إتخاذ مواقف نقدية دقيقة من نتائج وطرق هذا العلم

يقول هولدر فى مقدمة الكتاب: “فى هذا الكتاب ، أقوم بإخضاع فرضية {التأليه} للإختبار والتمحيص ، وهذه الفرضية هى التى يؤمن بها أتباع الديانات السماوية وهى تقول أنه الكون الذى نعرفه ونعيش فيه قد خضع {لتصميم} دقيق ، وأقارن هذه الفرضية بأكثر الفرضيات إنتقاداً لفرضية {التأليه} وهى فرضية {الأكوان المتعددة} التى تنص على أن ذلك الكون الذى نعرفه ونعيش فيه ما هو إلا أحد الأكوان اللانهائية فى الوجود، وأنه لا يمكن القول بأن الكون الذى نعيش فيه قد خضع لأى نوع من أنواع {التصميم} لأنه ليس إلا إتفاق عشوائى لمجموعة من القوانين التى أدت إلى الوجود البشرى”…ويضيف هولدر “تتطلب المواضيع التى يتناولها هذا الكتاب مناقشة عدة قضايا علمية أو تقنية ، فعلى سبيل المثال من الضرورى أن نتعرض لبعض مبادئ علم الكونيات وفيزياء الجسيمات ، ولكى نقارن فرضية الأكوان المتعددة بفرضية التأليه لابد من التعمق بعض الشئ فى الفلسفة البحتة ونظرية الإحتمالات الإحصائية ، وأيضا يجب أن يكون هناك بعض الإيضاحات المستوحاة من رياضيات المالانهاية the mathematics of infinity “

يتكون الكتاب من تسعة فصول عدا المقدمة والملحقات ، وعلى الرغم من اللهجة “التحذيرية” التى نوه بها هولدر عن إحتواء الكتاب للعديد من القضايا العلمية والتقنية ، إلا أن تلك القضايا قد قدمت وعرضت بشكل رائع يسهل على القارئ أن يلم بمقتضياتها ، بالإضافة إلى أن المعالجات الرياضية لهذه القضايا قد وضعت فى قسم الملحقات خارج نص الكتاب حتى لا تعترض ذهن القارئ أثناء القراءة….الكتاب رائع بحق ، ويستحق الوقت الذى قد أنفق لقراءته…ومن نافلة القول أن الكتاب يمثل مصدراً جيداً للغاية للرد على البلهاء من أدعياء الإلحاد العلمى فى الوطن العربى وإثبات تفاهة وضحالة أطروحاتهم التى ينسبونها -زوراً- للعلم الحديث ، والذى لا تربطهم به أى صلة من قريب أو بعيد

 

 

 

عن “ط” (3)

أما أبو سهل ويجن بن رستم القوهى (المتوفى 405 هـ) فقد أجاب عن قيمة هذه النسبة فى رده على سؤال أبى إسحق الصابى الذى ورد فى رسالته فقال : “لقد أرسلت لكم كل ما وصلت إليه وبخاصة نسبة قطر الدائرة إلى محيطها كنسبة عدد إلى عدد ، فإن ذلك مما أطمح أنا إليه وأرجو الإستفادة منه ” [1] فقوله “..كنسبة عدد إلى عدد ..” يعنى أن القوهى رحمه الله كان يرى بأن “ط” يجب أن تكون عدد حقيقى نسبى ، وبالإضافة إلى ما تحدث عنه إبو سهل القوهى رحمه الله فى تلك الرسالة عن مراكز الثقل ومواقعها فى الأشكال الهندسية المختلفة ، فقد أسهب فى عرض النظرية التى تبناها لتحديد قيمة “ط” وهى النظرية التى وجدها فى كتابات أبى الفتوح نجم الدين بن الصلاح (المتوفى 548 هـ) حيث حدد قيمة هذه النسبة بأنها تبلغ ثلاثة وتسع (بضم السين) ، بل وأثبت هذه النظرية بناءاً على ثلاثة فرضيات فصلها فى رده على أبى اسحق الصابى ، ثم إختتم كلامه قائلاً ” وعندما ننظر إلى ما كتبه أرشميدس أن محيط الدائرة أقل من ثلاثة أضعاف وسبع (بضم السين) القطر، نجد أنه يتفق مع ما وجدناه ولا يفارقه ، لأن التسع أقل من السبع (بضم السين) ، أما قوله بأن ذلك يجب أن يكون أكبر من ثلاثة أضعاف وعشرة على واحد وسبعين ، فإن هذا يتعارض مع ما وجدناه ، إلا أن يعنى عشرة على واحد وتسعين بدلاً من واحد وسبعين ، فهكذا يتفق مع ما أثبتنا…” [1]

أما بطليموس العرب [2] أو أبى ريحان البيرونى (المتوفى 440 هـ) فعلى الرغم من الغموض الذى اكتنف سيرته فإن ما حرره فى كتابه الأشهر “القانون المسعودى” [3] بشأن تحديد قيمة محيط الدائرة نسبة إلى قطرها أو “ط” يقترب أشد مايكون إلى القيمة المعاصرة مع إبقائه على يقينية أن تلك النسبة عدد حقيقى نسبى ، فقد إتبع طريقة جديدة تماما فى تحديد تلك النسبة ، فقد قاس محيط مضلع يتكون من 180 ضلع ترتكز رؤوسه على الدائرة من الداخل ثم قاس محيط مضلع آخر يتكون من 180 ضلع أيضاً ولكن كل منها يمس الدائرة من الخارج ، ثم أخذ متوسط المحيطين فوجد أن القيمة التقريبية لنسبة محيط الدائرة إلى قطرها يساوى 3.1417

المراجع

[1] Risalat Abi Ishaq al-Sabi ila abi Sahl al-Quhi wa jawabuha, Al-Zahiriya Library, MS 5648 General; Library of the Institute for the History of Arabic Science in Aleppo

[2] كتاب البيروني للدكتور احمد سعيد الدمرداش . طباعة دار المعارف (ج.م.ع) ، رقم الايداع 4848/1980

[3] Al-Biruni, Al-Qanun al-mas’udi, Haydarabad: Da’irat al-ma’arif al-’uthmaniya, 1373 H 1954, vol. 1, pp. 303-304


عن “ط” (2)

أما الرياضيون المسلمون فقـد كانوا من أبرز المجتهدين لمعرفة تلك النسبة البالغة الأهمية فقد قام محمد والحسن وأحمد بنو موسى [1] فى كتابهم المسمى ” كتاب فى معرفة مساحات الأشكال البسيطة والكروية” بإثبات أن نسبة محيط الدائرة إلى قطرها أكبر من 223/71 وأصغر من 22/7 ، وقد إنتقدوا فى كتابهم الهام طريقة أرشميدس لحساب هذه النسبة ، وقد أقرهم على هذا النقد العالم الكردى الشهير فوات سيزجن [2] واعتبر محاولتهم لإيجاد تلك النسبة أكثر عمقاً وأهمية من محاولة أرشميدس

وأيضاً من أهم الجهود الإسلامية العربية فى هذا المضمار ، ما حرره محمد بن موسى الخوارزمى – رحمه الله – فى كتابه “الجبر والمقابلة” عند حديثه عن طرق حساب محيط الدائرة بناءاً على معرفة قطرها حيث قال : ” ولكل دائرة إذا ضربت قيمة القطر فى ثلاث وسبع (بضم السين) يكون الناتج هو الدور الذى يحيط بها (المحيط) ، أما أهل الهندسة فعلى قولين فى حسابها ، الأول بأن تضرب قيمة القطر فى نفسها ثم فى عشر ثم يؤخذ جذر الناتج فيكون قيمة المحيط ، والثانى ، وهو قول الفلكيون ، بأن يضرب القطر فى إثنين وستين ألف وثمانمائة وإثنين وثلاثين (62832) ثم يقسم على عشرين ألف (20000) فيكون الناتج هو المحيط، وكل هذه القيم قريبة إلى بعضها البعض” [3]

فالخوارزمى – رحمه الله – لم ينص على أنه قد علم على وجه اليقين قيمة (ط) بل ذكر لها ثلاث قيم ، كلها تشترك فى كونها أعداداً نسبية، أما قيمة هذا الثابت فقد قال عنها الخوارزمى: ” إن هذه القيمة تقريبية وليست مثبتة ، ولا أحد إلا الله سبحانه وتعالى يعلم القيمة الحقيقية لمحيط الدائرة ، لأن ذلك الخط ليس مستقيماً وليست له بداية ولا نهاية …” إلى قوله ” ولكن أقرب هذه القيم هى ما يحصل عليه بضرب طول القطر فى ثلاث وسبع ، وهى أسرع وأبسط طريقة ، والله تعالى أعلم” [3]

المراجع

[1] Mawaldi, M., (1998) Geometry in Banu Musa Ibn Shakir, 36th Science Week in Homage to the Banu Musa, Demascus: The Supreme Council of Sciences, p. 107

[2] Sezgin, F., (1984) Conferences in the History of Arabo-Islamic Sciences, Frankfurt, p. 71

[3] Muhammad ibn Musa al-Khwarizmi, Kitab al-jabr wa-’l-muqabala, edition and commentary Mustafa Musharrafa and Muhammad Musa Ahmad, Cair: Publications of The Faculty of Science, 1939, pp 55-56 (بتصرف )

عن “ط” (1)

الحرف (ط) بالعربية يرمز إلى ثابت رياضى فى غاية الأهمية ، إن لم يكن الأهم على الإطلاق، وهو نسبة محيط الدائرة إلى قطرها ، والذى يرمز إليه الحرف اللاتينى π فى اللغات الغربية ، هذه الثابت العددى يدخل فى أغلب الحسابات الهندسية والعلمية المعاصرة ، بدءا من الهندسة الميكانيكية والكهربية والإنشائية إلى علوم الفضاء والفلك والأرصاد ، فكل معادلة تحتوى على حد يعبر عـن شكل أو حركة كروية أو دائرية لابد له أن يحتوى على هذا الثابت أيضاً ، فللمرء أن يتخيل العدد الهائل من المعادلات الرياضية التى تحتوى على حدود تعبر عن الحركة الدورانية لجسيمات الذرية ، والأجرام السماوية ، والأنظمة الميكانيكية والكهرومغناطيسية ، حتى يدرك أهمية ذلك الثابت العددى

المشكلة الكبرى التى تتعلق بهذا الثابت العددى ، والتى تكشف بوضوح هشاشة الحضارة الإنسانية المعاصرة ، أن هذا الثابت عدد غير نسبى…! أى أنه لا يمكن أن يرمز إليه بناتج قسمة عددين صحيحين…! [1] [2] وعليه فإن هذا الثابت ليست له قيمة يقينية محددة..! [3]

قبل قيام العلم التجريبى بمفهومى المشاهدة والتجربة ، عرف قدماء المصريون نسبة محيط الدائرة إلى قطرها  بأنها عدد نسبى[4] يساوى ناتج قسمة 256/81 ، أو ما يساوى تقريبا 3.16 ، وبناءاً على هذه النسبة شيدوا الأهرامات وسائر الإعجازات البنائية التى لايزال العلم الحديث عاجزاً عن تفسيرها ، فعلى سبيل المثال تتعامد الشمس مرتين كل عام على وجه تمثال رمسيس الثانى فى معبده بمدينة أبى سمبل بجنوب مصر ، مرة يوم مولده ومرة يوم تتويجه ، ولا تزال تلك الظاهرة تحدث كل عام لآلاف السنين ، مع الوضع فى الإعتبار أن قيمة (ط) التى إستخدمها الفراعنة فى حساباتهم الفلكية كانت 3.16

أما البابليون فقد عرفوا هذه النسبة بأنها عدد نسبىأيضا ، وتساوى ناتج قسمة 25/8 وعرفها الهنود القدماء أيضاً بأنها عدد نسبى يساوى ناتج قسمة 339/108 ، أما فى التوراة فقد إستنبطها أحــبار اليهود القدماء من الإصحاح السابع من سفر الملوك الأول ، حيث جاء فى وصف المعبد الذى تروى التوراه أن سليمان – عليه السلام – قد بناه : ” وعمل البحر مسبوكا. عشر أذرع من شفته إلى شفته، وكان مدورا مستديرا. ارتفاعه خمس أذرع، وخيط ثلاثون ذراعا يحيط به بدائره ” ،  فقسموا طول الخيط (30) على القطر (10) وحددوا بذلك قيمة (ط) بأنها عدد صحيح يساوى 3

وهذه القيمة وإن كانت نقلت فى سفر الملوك الذى يرجع أقدم تقدير لكتابته إلى عام 971 قبل الميلاد إلا أنها مرت بشكوك كثيرة أبرزها تلك التى أثاراها رجل الدين اليهودى نحمياه Nehmiah فى القرن الثانى الميلادى فى كتابه ميشنات هاميدوت Mishnat ha-Middot ، والذى يعتبر أول كتاب توراتى عن الهندسة ، حيث فسر النص السابق فى سفر الملوك فى ضوء نص آخر ورد فى سفر أخبار الأيام الثانى ، الإصحاح الرابع ، حيث أشار هذا النص إلى أن خزان المياه “البحر” كان مجوفاً بسمك شبر ، ففسر ذلك بأن القطر قد قيس من الداخل بينما قيس المحيط من الخارج ، وعليه فقد حدد النسبة بأنها 3.17 إلى 3.2 ، إلا أنه أقر القول بأنها عدد نسبى

…يتبع


المراجع

[1] Lucas, Stephen. “Integral proofs that 355/113 > π”, Australian Mathematical Society Gazette, volume 32(4), pp 263–266.

[2] Dalzell, D. P. (1944) “On 22/7″, Journal of the London Mathematical Society 19, pages 133–134.

[3] Richter, Helmut (1999) Pi Is Irrational,  Leibniz Rechenzentrum.

[4] Beckman, Petr (1971) The History of Pi. The Golem Press. Boulder, Colorado

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: