خواطر عن الوجود و الحضارة و تسطيح الإسلاميين للعلاقات الوجودية

ينقسم الوجود إلى ثلاثة عوالم: عالم الأفكار ، وعالم الموضوعات المادية ، و عالم الحس و الشعور
والعلاقات بين هذه العوالم الثلاثة تشكل الخصائص الرئيسية التي تتكون منها أي حضارة
لذلك فهذه العلاقات – التي تربط بين العوالم المكونة للوجود – تتغير جذرياً بتغير الزمن و المكان
فالعلاقات بين هذه العوالم في عصر النبوة و الوحي ، تختلف جذرياً عن مثيلاتها في العصر الحالي ، فضلاً عن اختلاف تفاصيل هذه العوالم ذاتها
ومشكلتي الرئيسية مع “الإسلاميين” تتركز في انطلاقهم دائماً من تبسيط مخلّ للفوارق بين هذه العلاقات: في زمن النبوة و في زمننا هذا
وهذا التبسيط المخلّ يصنعون به دائماً قياساتهم الفاشلة التي لازالت تقودهم من فشل إلى آخر منذ ظهور المصطلح الذي نسبوا أنفسهم إليه
مثل قياس “المظاهرات السلمية” بصورتها المعاصرة على الجهاد بصورته في زمن النبوة
وقياس الديمقراطية في صورتها الحالية على الشورى في زمن النبوة
وقياس العلاقات الدولية بشكلها المعاصر على العلاقات الدولية في زمن النبوة
….

إلى آخر القياسات المخلّة – التي لا تنتهي – بين العلاقات الوجودية في واقعنا المعاصر و مثيلاتها في زمن النبوة
والحقيقة أن سبب ذلك هو حالة الكسل الفكريّ التي أصابت هؤلاء الناس منذ أن عزلوا أنفسهم عن الحراك الفكري العالمي و منجزاته و مكتسباته ، فيما يسمونه “استعلاءًا بالهوية و الدين”…وهو لا يعدو أن يكون تحصناً أيديولوجياً لضمان الاستقرار الحركي لتنظيماتهم المتكلسة !!
ولازلت أذكر درساً لأحد كبار دعاة “الدعوة السلفية” بعنوان: “ماذا تقرأ و لمن تقرأ” !! يضع لهم فيه “مرجعية أيديولوجية” على القراءة و تداول الفكر و الفلسفة و غيرها من فروع المعرفة !!

أسئلة هامة حول “مشروع زويل”

منذ فترة بدأت إعلانات ما يسمي بمشروع زويل تطالعنا في وسائل الإعلام المرئية وعلي شبكة المعلومات ، وفي الحقيقة فإن الدعاية التي تصاحب هذا المشروع قد بدأت في الازدياد منذ الثورة وإلي الآن مع الموجة المتصاعدة للمطالبة بإصلاح منظومة البحث العلمي وغيرها من منظومات الدولة ، وفي الواقع فإن الأفكار التي يتم طرحها في هذا السياق -ونظراً للحالة الثورية والنهضوية في البلاد- يصعب بل أحياناً قد يستحيل مناقشتها بشكل موضوعي ومستقل ، إذ أنها تقدم علي أنها خيارات تنموية ونهضوية وليست مجرد أفكار أو مقترحات ، وبطبيعة الحال فإن هذا التقديم يُحدث نوع من الاستقطاب في المجتمع بشأن هذه الأفكار ، فالمؤيدون يرون في أنفسهم أصحاب الحس الثوري والتنموي ، والمعارضون يتم عرضهم علي أنهم أعداء التطور وأعداء العلم وما إلي ذلك من عنوانين الاستقطاب التي اعتدنا عليها خلال العامين المنصرمين. هذا المقال يسعي للخروج بعيداً عن حالة الاستقطاب الموجودة حالياً بشأن “مشروع زويل” ليطرح بعض الأسئلة الأساسية والبالغة الأهمية حول هذا المشروع والتي تمثل إجاباتها تقييماً موضوعياً للمشروع ككل.

 ما هو “مشروع زويل” ؟ وماذا تعني “مدينة علوم” ؟

 ربما يبدو هذا السؤال بديهياً ، إلا أن الإجابة عليه من الصعوبة بما كان ، فالوصف الذي يعرضه الموقع الرسمي للمشروع هو ببساطة وصف “لجامعة بحثية” ككل الجامعات البحثية الموجودة في العالم ، جامعة بحثية بها مختبرات بحثية متخصصة في تخصصات علمية دقيقة ، وووحدات تقنية ، وغير ذلك من مكونات “الجامعات الحبثية” التي لا يوجد مثلها في الوطن العربي أجمع سوي جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا في السعودية وجامعة النيل في مصر ! المشكلة الحقيقية أن نشأة الجامعات البحثية وتطورها في الغرب يعتبرا مجهولين تماماً بالنسبة للجماهير في مصر والعالم العربي عموماً وذلك لعوامل سياسية ومجتمعية كثيرة ، فأصبحت مفهوم “الجامعة البحثية” غريباً عن أكثر الجماهير ويقدم لهم علي أساس أنه “المشروع القومي المنقذ” بينما في دولة مثل ماليزيا -علي سبيل المثال- يوجد حوالي خمسة جامعات بحثية أصغرها مبنية علي أكثر من ثلاثة آلاف فدان وتضم مختبرات متخصصة وكليات في فروع علمية دقيقة تبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف ما يطرحه “مشروع زويل” ! بالطبع مع الأخذ في الاعتبار أن الدخل القومي الماليزي يقارب الدخل القومي المصري ، ومساحة ماليزيا تساوي ثلث مساحة مصر فقط ! إذن ما يسمي “بمشروع زويل” ليس مشروعاً كونياً قومياً منقذاً ، بل هو مجرد مقترح لإنشاء جامعة بحثية مثل آلاف الجامعات البحثية الموجودة في العالم والتي لم نحظ بوجود مثلها في مصر إلا في عام 2005 بتأسيس جامعة النيل !

الشطر الثاني من السؤال يتعلق بمصطلح “مدينة علوم” والحقيقة أن الاسم المقترح لما يسمي “بمشروع زويل” هو “مدينة زويل للعلوم” ، ومدينة العلوم هو مصطلح يطلق علي المدن التي اشتهرت بوجود جامعات ومعاهد كبيرة وتاريخية وبالغة التقدم فيها ، مثل مدينة كانساي في اليابان ومدينة ETH للعلوم بسويسرا ، أو مدينة بها مؤسسات تلعب دوراً رئيسياً في تسويق المكتشفات والأبحاث العلمية للمستثمرين وأصحاب الأعمال مثل مدينة دارمشتدات بألمانيا أو مدينة بيرمنجهان في المملكة المتحدة ، وأحياناً ما يطلق مصطلح “مدينة علوم” علي تجمع كبير من المتاحف العلمية التي تعرض المكتشفات والإنجازات العلمية لدولة ما ، وذلك مثل “مدينة العلوم” اليت تقع في مدينة كانساس بولاية ميزوري الأمريكية ، أو “مدينة العلوم” التي أسستها الهند في أحمد آباد لكي تجذب عدد أكبر من طلاب المدارس لدراسة العلوم. إذن مصطلح “مدينة علوم” لا ينطبق بحال علي ما يسمي “بمشروع زويل” ! إذن لماذا يستخدم هذا المصطلح بديلاً عن مصطلح “جامعة بحثية” الذي هو حقيقة المشروع كما نري في الموقع الرسمي له ؟!

 لماذا يقام مشروع زويل علي أنقاض جامعة النيل – أول جامعة بحثية في مصر ؟

 هناك الكثير من التفاصيل حول هذه القضية في وسائل الإعلام ، يمكن اختصارها في ثلاث مراحل : المرحلة الأولي حينما أصدر شفيق إبان توليه رئاسة وزراء مصر بعد الثورة مباشرة قراراً بتخصيص كل مباني ومختبرات جامعة النيل لما يسمي بمشروع زويل ، والمرحلة الثانية هي تعطل كل الباحثين والطلاب بجامعة النيل التي تعتبر أول جامعة بحثية أهلية -غير هادفة للربح- في مصر ، والمرحلة الثالثة هي بدئ الدكتور زويل في جمع التبرعات لمشروعه علي أنقاض جامعة النيل بل إنه يستغل مباني الجامعة المسلوبة في إعلاناته لدرجة أن الجامعة أصدرت بياناً رسمياً يحذر من استغلال صور مباني ومنشآت جامعة النيل في الدعاية لمشروع زويل ! الموضوع بالطبع به العديد من الدعاوي القضائية التي رفعها باحثي وطلاب جامعة النيل وأولياء أمورهم ضد شفيق والوزيرة السابقة فايزة أبو النجا ، وبها العديد من اللغط الإعلامي إلا أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن مشروع زويل يقوم الآن علي هدم وتعطيل أول جامعة بحثية مصرية ، والتي حققت إنجازات علمية عديدة لم يتم تسليط الضوء عليها أيام مبارك ، وبمجرد خلع نظامه تم تعطيل الجامعة وتسليمها للدكتور زويل العالم الأمريكي ذو الأصول المصرية الذي حصل قبل حصوله علي جائزة نوبل علي جائزة وولف ، أكبر جائزة إسرائيلية في مجال العلوم.

صورة أرشيفية (عام 1993) للدكتور أحمد زويل وهو يتسلم جائزة وولف من الرئيس الإسرائيلي السابق عيزر فايتسمان

السؤال الأكثر أهمية هو : لماذا يجب علينا هدم جامعة بحثية فعالة ونشيطة للغاية لكي نؤسس جامعة بحثية أخري ؟! هل تفتقد مصر إلي الأراضي لتأسيس “جامعة بحثية” أخري ؟ هذا بالطبع إن كان ما يسمي “بمشروع زويل” هو جامعة بحثية مع أن مصطلح “مدينة العلوم” لا يعني ذلك ! أم أن هناك رغبة محددة ومسبقة لتدمير جامعة النيل ؟! إن من يقرأ الأبحاث التي نشرتها جامعة النيل خلال الأعوام القليلة الماضية والتي بلغت أكثر من مائتي وخمسين بحثاً يدرك أن كل مجالات البحث التي يعمل فيها باحثو النيل هي مجالات تمس الواقع المصري وإشكالاته التكنولوجية بشكل كبير ، فلماذا يرغب أي أحد في تدمير وإيقاف هذا الصرح العلمي الكبير لإنشاء “جامعة بحثية” أخري يفترض بها إن نجحت أن تماثل جامعة النيل ؟!

أزمــة البحـث العلـمــي في مـصــر

مقالان لي نشرا في جريدة المصريون الإليكترونية بتاريخ 29-05-2011 و 03-06-2011 عن أزمة البحث العلمي في مصر ، حاولت فيهما أن أحدد أسباب هذه الأزمة وأن أحدد خارطة طريق للتعامل مع هذه الأزمة شكل إستراتيجي

أزمة البحث العلمي في مصر – 1

منذ نجاح ثورة 25 يناير في إسقاط نظام مبارك وظهرت علي الساحة السياسية في مصر العديد من النقاشات والحوارات حول أيدولوجية النظام السياسي القادم وهوية الجمهورية الجديدة ، وهذه النقاشات أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن كل التيارات السياسية في مصر تتمتع بصحة جيدة ، إن جاز التعبير ، وتتمتع برؤية واضحة لأهداف كل منها ، وهو أمر يدعو للتفاؤل بشأن المستقبل السياسي لمصر ، ولا يجب أن ننسي أن ثورتنا كانت بمثابة الإستقلال عن احتلال داخلي دام ثلاثة عقود ، ولا يجب أن ننسي أيضاً أن ثمن الحرية والإستقلال دائماً ما يكون باهظاً ، ولنا في الثورة الفرنسية خير مثال. إذن فهذا التوتر الظاهري والإشكاليات الفكرية التي تطفو علي سطح الحياة السياسية الآن لا يجب أن تدعو للقلق ، بل تدعو للتفاؤل في حقيقة الأمر.
بيد أن ما يدعو للقلق حقاً هو الأزمات التنموية العديدة التي تمر بها مصر ، سواءاً علي المستوي الإقتصادي أو الأمني أو العلمي ، وهي أزمات لم تولد مع الثورة كما يدعي بعض المخذلين ، ولكن ولدت في حقيقة الأمر في ظل نظام عابث لا يعبأ بمصلحة الإنسان المصري ولا يهتم إلا بمصالح رجاله الشخصية ، وجعلت هذه الأزمات مصر تفقد خط سيرها في طريق التنمية المستدامة الذي قطعت فيه العديد من الدول الأخري شوطاً جباراً خلال العقود الثلاثة الماضية. إن البحث العلمي يعتبر واحداً من أهم المجالات التي فشل النظام السابق في وضع تصور لتطويرها لتتواكب مع المستجدات العالمية ولتحقق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة للألفية الثالثة ، ويمكن القول – بالكثير من الواقعية – أن البحث العلمي في مصر يعاني حالياً من أزمة كارثية تهدد مستقبل مصر علي كل المستويات. هذا المقال يقدم وصف لأهم أعراض أزمة البحث العلمي في مصر ، وتشخيص لأسبابها.
من الضروري للغاية أن يكون هناك معايير واضحة لتقييم البحث العلمي في مصر حتي نتمكن من تشخيص ومعرفة أبعاد الأزمة العلمية التي تمر بها البلاد ، وعادة ما يقيم أداء البحث العلمي لدولة ما بمعيارين : الأول والأهم هو عدد براءات الإختراع التي تسجلها تلك الدولة سنوياً ، والثاني هو عدد البحوث العلمية التي يتم نشرها في دوريات (مجلات) علمية متخصصة ومحكمة سنوياً ، فبهذين المعيارين يمكن تقييم أداء دولة ما – بمقارنتها بدول أخري – بالنسبة للبحث العلمي ، وإذا أردنا اختيار عدد من دول لمقارنة مصر معهم بالنسبة للبحث العلمي ، فيجب أن نختار دول تشترك مع مصر في قيمة الدخل القومي حتي يكون هناك معني حقيقي للمقارنة ، وحتي نستطيع أن نتعرف – بشكل مقارن – علي مستوي البحث العلمي في مصر.
في عام 2009 كانت قيمة الدخل القومي المصري 182.23 بليون دولار ، وهو يقترب جداً من الدخل القومي لكلِ من ماليزيا وسنغافورة في نفس السنة ، فماليزيا بلغ دخلها القومي 193 بليون دولار ، وسنغافورة 182.3 بليون دولار ، أي نفس الدخل القومي المصري تقريباً ، طبقاً لإحصائيات البنك الدولي. فإذا نظرنا لعدد براءات الإختراع الدولية التي سجلت في مصر في نفس العام سنجد أنها 321 براءة اختراع ، بينما ماليزيا سجلت 2086 براءة ، وسنغافورة سجلت 5609 براءة في نفس العام طبقاً لاحصائيات المؤسسة العالمية للملكية الفكرية. أي أن أداء البحث العلمي في مصر كان أقل من نظيره في ماليزيا حوالي ستة مرات ومن نظيره في سنغافورة حوالي سبعة عشر مرة !!
أما بالنسبة لعدد البحوث العلمية المنشورة في دوريات علمية محكمة ، فأداء مصر كان أفضل نوعاً ما ، حيث نشرت الجامعات والمؤسسات البحثية المصرية 7411 بحثاً في كل أفرع المعرفة خلال عام 2009 ، بينما نشرت الجامعات والمؤسسات البحثية الماليزية 9814 بحثاً ، ونظيرتها السنغافورية 11,826 خلال نفس العام ، طبقاً لقاعدة بيانات SCImago.
إذن يتضح لنا أن مصر في أزمة كارثية للبحث العلمي ، خاصة بمراقبة المعيار الأهم لتقييم البحث العلمي وهو عدد براءات الإختراع ، وتكمن أهمية هذا المعيار في أنه يعبر عن الفرص المتاحة أمام الإستثمارات الصناعية في استغلال براءات الإختراع المسجلة في مصر لتحقيق تقدم نوعي في مجال الصناعة ، بينما يعبر عدد البحوث المحكمة فقط عن نشاط الباحثين في الجامعات والمؤسسات البحثية ، أكثر ما يعبر عن علاقة البحث العلمي بالنهضة الصناعية والتنمية المباشرة.
ماهي أسباب أزمة البحث العلمي في مصر ؟؟ في الواقع يمكن تلخيص الأسباب في سببين رئيسيين الأول هو التدني الشديد للإنفاق الحكومي علي البحث العلمي ، حيث لم يتعدي هذا الإنفاق 0.2% من إجمالي الدخل القومي (أي حوالي 0.9 بليون دولار) خلال عام 2009 ، بينما أنفقت سنغافورة حوالي 2% من قيمة دخلها القومي علي البحث العلمي في نفس السنة (أي حوالي عشرة أضعاف الإنفاق المصري) ، وأنفقت ماليزيا حوالي 0.61% من دخلها القومي (أي حوالي ثلاثة أضعاف الإنفاق المصري) ، طبقاً لإحصائيات مؤسسة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.
أما السبب الثاني لتدهور البحث العلمي في مصر هو الإنخفاض في حجم الإنفاق علي التعليم الحكومي ، حيث لم تتجاوز ميزانية التعليم في مصر 3.7% من إجمالي الدخل القومي في عام 2009 ، بينما بلغ الإنفاق علي التعليم الحكومي في ماليزيا 5% من إجمالي الدخل القومي ، وفي سنغافورة تعدي حجم الإنفاق علي التعليم 3.2% من إجمالي الدخل القومي ، ولكي ندرك فداحة مشكلة الإنفاق علي التعليم الحكومي – التي قد لا تكون واضحة بالأرقام السابقة فقط – يجب أن نأخذ في الإعتبار التباين الشاهق في عدد السكان بين الدول الثلاث ، حيث يبلغ في مصر حوالي 85 مليون نسمة ، وفي ماليزيا حوالي 26 مليون نسمة وفي سنغافورة حوالي 4.5 مليون نسمة فقط !
إذن متوسط نصيب المواطن المصري من ميزانية التعليم لا يتعدي 80 دولار سنوياً ، بينما يبلغ نصيب المواطن الماليزي من ميزانية التعليم 372 دولار سنوياً ، والمواطن السنغافوري 1300 دولار سنوياً ! ياله من فارق مخيف !!
إذن ماهي الخطوات والآليات اللازمة للتعامل مع أزمة البحث العلمي في مصربما يضمن وضع مصر علي طريق التنمية المستدامة والتطور العلمي مرة أخري…؟! هذا ما أجيب عنه في المقال القادم إن شاء الله…

أزمة البحث العلمي في مصر – 2

قمنا في المقال السابق بتشخيص الحالة المتردية التي وصل إليها البحث العلمي في مصر بسبب ثلاثة عقود من التخريب المتعمد لهذا القطاع الحيوي والضروري لتطور الدولة في كل المجالات ، وفي هذا المقال نسعي لرسم خارطة طريق لإعادة هيكلة قطاع البحث العلمي وتفعيله بحيث يحقق تطوراً ملموساً يمكن قياسه خلال السنوات القادمة.
إن البحث العلمي بأهميته الفائقة لابد أن يكون مستقلاً عن النظام الساسي للبلاد ، تماماً كالجيش والقضاء ، لأن مخرجات منظومة البحث العلمي إنما تصب في صالح الشعب مباشرة ، ولهذا فلابد أن تكون تلك المنظومة تعمل من أجل الشعب ومن أجل نهضة البلاد بصرف النظر عن الأحداث السياسية التي قد تمر بها البلاد وبصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم ، ومنظومات البحث العلمي في أي دولة متقدمة في يومنا هذا تنقسم رأسياً إلي طبقتين : الأولي معنية بوضع السياسات المتعلقة بالبحث العلمي بشكل عام ، وتحديد مجالات البحث الأكثر أهمية والتي يجب أن تكون لها الأولوية العظمي في التنفيذ والتطبيق ، أما الطبقة الثانية فهي معنية بإدارة أنشطة البحث العلمي في البلاد ، كتقييم المشاريع البحثية ، ورصد الميزانيات لإجرائها ، والعمل علي استغلال براءات الإختراع التي تنتج من البحوث ، وما إلي ذلك من الأنشطة الإدارية المتعلقة بالبحوث.
فالطبقة الرأسية الأولي لمنظومة البحث العلمي هي التي يجب أن تكون مستقلة عن النظام السياسي تماماً ، ويجب أن تضم في عضويتها كل أعضاء السلك الجامعي ممن وصل إلي درجة الأستاذية وقام بنشر عدد مناسب (عشرين مثلاً) من البحوث في دوريات عالمية محكمة ، وقام بالإشراف علي عدد من طلبة الماجيستير والدكتوراه. هذه يمكن أن يطلق عليها “هيئة الحكماء” ومهمتها تحديد أولويات البحث العلمي في البلاد وتقدير الميزانية المطلوبة لكل أنشطة البحث العلمي ، وتخضع هذه الهيئة لإشراف البرلمان. أما الطبقة الثانية فيجب أن تشمل وزارة البحث العلمي ، والمركز القومي للبحوث ، وعدد من الجامعات الكبري ، وعدد من شركات قطاع الأعمال العام أيضاً ، ويمكن أن يطلق عليها “المؤسسة القومية للبحث العلمي” ، وتقوم هذه المؤسسة بتلقي أولويات البحث العلمي من هيئة الحكماء ، ثم تفصيل هذه الأولويات إلي تخصصات نظرية وتطبيقية ، وأطروحات بحثية ، تقوم بطرحها علي جميع الكليات والمعاهد والمؤسسات البحثية في البلاد ، حيث يقوم الباحثين بإعداد مشاريع بحثية تفصيلية يقومون بتقديمها للمؤسسة حيث يتم تقييمها ورصد الميزانيات لأفضل المشاريع المقدمة.
أما التقسيم الأفقي للبحث العلمي فهو تقسيم يعني بالتخصصات العلمية المختلفة ، فتكون التخصصات الطبية والصيدلية والعلوم الحيوية كلها تحت مظلة بحثية واحدة ، وتكون التخصصات العلمية النظرية (كالفيزياء والكيمياء والرياضييات مثلاً) تحت مظلة علمية أخري ، وكذلك العلوم الهندسية ، والعلوم العسكرية ، إلي آخر التخصصات. هذا التقسيم ضروري للغاية لأن تحديد أولويات البحث العلمي يجب أن يأخذ في اعتباره تقاطع التخصصات وأهمية أن يضم كل فريق عمل أعضاء من تخصصات متكاملة ، حتي يكون الناتج النهائي جدير بالتطبيق ، فمثلاً لتصميم وتطوير أول محرك سيارة مصري ، يجب أن يضم فريق العمل متخصصين في هندسة المواد ، وتقنيات الإحتراق والوقود ، ومتخصصين في التحكم والهندسة الكهربائية ، وكذلك الحال عند تطوير دواء جديد من خامات مصرية ، يجب أن يضم فريق العمل كياميائيين وصيادلة وأطباء ، فهذا التقسيم الأفقي حيويٌّ للغاية تماماً كالتقسيم الرأسي المعنيّ بتخطيط والإدارة.
من المهم حتي نتصور آلية عمل المنظومة المقترحة للبحث العلمي أن نضرب مثالاً لعمل هذه الآلية ، فيمكن أعطاء هذا المثال بخطوات محددة كالآتي:
1- يتم تشكيل هيئة الحكماء كما سبق ، وتقوم الهيئة خلال ستة أشهر بتحديد أولويات البحث العلمي لمصر خلال الخمسة أعوام القادمة ، وذلك من خلال اجتماعات ومناقشات مستمرة لأعضاء الهيئة.
2- بعد انتهاء المهلة تقوم هيئة الحكماء بإعلان أولويات البحث العلمي لمصر في كل المجالات ، والميزانية المطلوبة لتحقيق هذه الأولويات ، من خلال مؤتمر صحفي ويتم نشر بيان رسمي بهذه الأوليات في الصحف الكبري.
3- تقوم المؤسسة القومية للبحث العلمي من خلال وزارة البحث العلمي بتخصيص الميزانية العامة للبحث العلمي ، وتقوم بتقسيم هذه الميزانية بين المجالات العلمية المختلفة بحسب توصيات هيئة الحكماء.
4- تعلن المؤسسة القومية للبحث العلمي عن مسابقات لتقديم مشاريع بحثية لتحقيق أولويات البحث العلمي لمصر عن طريق الجامعات والمعاهد والمؤسسات البحثية ، وتكون مدة الإعداد لهذه المسابقة ثلاثة أشهر ، يتقدم بعدها كل الباحثين بمشاريعهم التي تتوافق مع أولويات البحث العلمي.
5- يتم اختيار أفضل المشاريع من خلال لجان تحكيم مكونة من أساتذة جامعيين – كلٌ في تخصصه – وذلك مع مراعاة ضوابط الحيادية في التحكيم.
6- يتم تخصيص ميزانية مناسبة لكل بحث – بحسب توصيات مقدمي البحث – ويتم إعلام كل باحث بالمدة المخصصة لإنهاء البحث وموعد تقديم التقرير النهائي ، ويقوم الباحثين بعرض تطورات مشاريعهم كل ستة أشهر علي لجنة تقييم من المؤسسة الثومية للبحث العلمي.
من المقال السابق اتضح لنا أن أسباب تخلف البحث العلمي في مصر تتلخص في الإنخفاض الحاد في ميزانية البحوث والتطوير بالمقارنة بالدول الأخري ، لهذا يجب علي “هيئة الحكماء” مراعاة هذا الإنخفاض الحاد وطلب تخصيص ميزاينة لا تقل عن 2% من إجمالي الدخل القومي السنوي لمصر لأنشطة البحث العلمي المختلفة. وبالنسبة لهيئة الحكماء ، فيمكن الإستعانة بالعلماء المصريين المقيمين بالخارج – وهم من أفضل علماء العالم في كل التخصصات – في المشاركة في تحديد أولويات البحث العلمي المصري ، ويمكن أيضاً الإستفادة من خبراتهم في مراحل أخري من مراحل التخطيط للبحث العلمي في مصر ن وذلك من خلال عضويتهم الدائمة في هيئة الحكماء.

—-

روابط المقالين علي موقع جريدة المصريون

الجزء الأول:  http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=61896

الجزء الثاني:  http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=62807

نقد أفلاطون وسقراط للديمقراطية : المساواة المستحيلة

لكي نفهم بوضوح لماذا يري افلاطون أن الديمقراطية كفلسفة ونظام سياسي مثيرة لأقصي درجات الإعتراض المنطقي والعقلي ، يجب أن نفهم أولا ماذا تعني الديمقراطية بالنسبة لأهم علم من أعلام الفلسفة الغربية في التاريخ : الديمقراطية بالنسبة للفلسفة اليونانية تعني حكم الشعب بالمعنى الحرفي ، أكثر مما عليه الحال الآن بالنسبة لمواطني معظم الدول الحديثة التي تدعي أنها ديمقراطية.

إن تهمة أفلاطون ضد الديمقراطية هي ببساطة أنها – أي الديمقراطية – تنتهك النظام الطبيعي الصحيح في أي مجتمع وذلك باختلاق مساواة إصطناعية بين أفراد هذا المجتمع. إن انتقاد أفلاطون الأساسي للديمقراطية هو شكل مضاد للدستور الديمقراطي

صورة لمخطوطة كتاب "الجمهورية" لأفلاطون

الذي يقوم على افتراض أن من حق كل المواطنين – على حد سواء –  أن يكون لهم رأي في الشؤون السياسية ، مهما كان رأي كل منهم غير ملائماً من حيث قدرة صاحبه العقلية ، أو طبعه أو تدريبه ، وهذا الحق يُـكفل له بشكل أساسي مهما كان هذا المواطن جاهلاً ، وبذلك فإنه قد يجد نفسه لا يزال يلعب دورا هاما في الشؤون العامة للمجتمع ككل ، وبهذا فقد أصبح المفتاح الرئيسي لمستقبل سياسي ناجح يكمن في أن يكون المرء قادراً على التحدث بشكل مقنع بالنسبة لمثل هذا المواطن الجاهل ، لهذا السبب أصبح فن الخطابة ذو قيمة عالية جداً في العمل السياسي الديقمراطي دون غيره من المهارات التخطيطية أو العلمية فضلاً عن الدينية بالطبع.

النظام السياسي الذي يتجاهل الفروق العلمية والإدراكية لأفراد المجتمع ، ويتجاهل القيمة النسبية لبعض أفراد المجتمع ، بل وفرض نوع من المساواة غير المشروطة بين أفراد هذا المجتمع قد أثار اشمئزاز أفلاطون. إن أفلاطون وسقراط شعرا بأن جميع الناس ولدوا مع قدر متساوٍ من المعرفة ولكن أيضاً كانا علي يقين أن ليس كل الناس ظلوا على اتصال مع المعرفة التي يمتلكها كل منهم بحيث تتطور بنفس القدر وتنمو بنفس المعدل ، وعلي مدار أعظم أعماله ، كتاب “الجمهورية” أصر أفلاطون علي رفض فكرة المساواة بين كل الناس ، وبدلاً من فكرة أن “كل إنسان هو في الأصل خيـّر” طرح أفلاطون فكرة أن “كل إنسان من حقه أن يكون خيراً” ، التي تنفي المساواة المطلقة التي يتبناها النظام الديمقراطي من الأساس.

ويعتقد أفلاطون أيضاً أن النظام الدبمقراطي يقود البلاد التي يحكمها بحسب “أهواء” و”شهوات” الشعب وليس بحسب المصلحة العامة التي – في أغلب الأحيان – لا تتماشي مع تلك الأهواء والشهوات ، ويتفق بهذا مع سقراط إذن أنه يعتقد أن الإنسان له ثلاثة جوانب: الروح و العاطفة والعقل الذكاء ، كل جانب من هذه الجوانب يجب علي الإنسان أن يوظفه باعتدال حتي يقود إلي النجاح والصحة للإنسان ، حيث يجب علي المنطق/العقل أن يسيطر علي الشهوة ، ويجب علي العاطفة أيضاً أن تعين العقل في السيطرة علي الشهوة ، وهذا المثال – في نظر سقراط – يماثل تماماً وضع الدولة إذ أنه سعتقد أن الإنسان يعتبر دولة مصغرة داخل نفسه ، حيث تماثل العدالة الروحية للإنسان العدالة السياسية والإجتماعية في الدولة ، بينما علي النقيض: تماثل حالة طغيان الشهوة علي روح الإنسان حالة تسلط إرادة الدهماء علي الدولة ، فالشهوة الإنسانية عند سقراط يماثلها “رغبات” الشعب بالنسبة للنظم السياسية ، التي يجب أن يسيطر عليها الحكماء ونخبة العلماء الذين يدركون بعلمهم وحكمتهم “المصلحة العامة” كما يدرك العقل بمنطقه السليم “مصلحة الروح” و “الجسد”.

يقول الدكتور أندرياس سوفرنيو في كتابه “الفلسفة العلاجية للفرد والدولة” : “إن أفلاطون قد رفض الديمقراطية بشكل كامل ، ورفض بشكل خاص المبدأ الذي يكفل لأي مواطن حرية التعبير عن رأيه السياسي وممارسة التأثير الحتمي لهذا التعبير في تقرير سياسات الدولة ، وذلك لأن أفلاطون إعتقد أنه من الواضح جداً أن ليس كل المواطنين قد تم إعدادهم وتدريبهم علي الحياة الإقتصادية أو العسكرية أو قد تم إطلاعهم علي الوظائف المختلفة للحكومة – علي سبيل المثال – وبالتالي فإنهم لا يخضعون في آرائهم السياسية للمنطق المناسب لهذه المجالات ، وبالتالي فلا يمكن الإعتماد علي تلك الآراء في اتخاذ القرارات الصائبة للحكومة”

ويقول البروفيسور إريخ كوفميل أستاذ الفكر السياسي بجامعة سسكس بالمملكة المتحدة في كتابه “الفكر اللاديمقراطي”: “إن أفلاطون قد وجه العديد من الإنتقادات للديمقراطية ، ولكن يمكن تلخيص إنتقاداته في أربعة أطروحات محددة ، هي:

1- النظام الديمقراطي هو نظام تعددي يفتقر لأي نوع من الوحدة السياسية

2- الديمقراطية تجنح دائماً للإستجابة ولاتباع (رغبات) الشعب و(تقلباته) ولا تستجيب (للمصلحة العامة) التي غالباً لا يدركها السواد الأعظم من الشعب

3-الديمقراطيات الضخمة (من حيث اتساع الدولة وتعقد التركيبة الإجتماعية وازدياد عدد السكان) تفشل في إتاحة القدر المناسب من التعبير السياسي لكل عناصر المجتمع ، مما يشكل عامل لتثبيط المواطنين عن المشاركة في الحياة السياسية والعامة

4- الديمقراطية هي نظام سياسي يديره بعض الحمقي ! ويكون أفضل شئ هو أن يتولي إدراة شئون الدولة المتخصصين بصرف النظر عن مدي تمثيلهم لرغبات الشعب وأهواؤه ، وذلك لأن إذارة شئون الحكم إذا تركت للشعب سيؤدي ذلك لخلل كبير في الدولة ، لأن الشعب لا يعرف ما الذي يفعله علي وجه الحقيقة

ويكمل كوفميل : “وأفلاطون يري في نظريته الخاصة بالحكم والدولة ، أن هناك حالة مثالية هي التي يجب أن تسود النظام السياسي الناجح ، وهي أن يتولي الحكم “ممثلين عن إرادة الشعب” بالتعاون مع “أهل الخبرة والتخصص” الذين لا يهم أن يكونوا منتخبين من قبل الشعب أو ممثلين عن رغباته” أ.هــ

بالطبع فإن كلام البروفيسور إريخ كوفميل حول نظرية أفلاطون للحكم يفتح باب النقاش حول أحد أهم عناصر الحكم في الفكر السياسي الإسلامي وهو أهل الحل والعقد…

ولهذا حديث آخر بإذن الله تعالي

_______________

المراجع

Thanassis Samaras (2002) Plato on Democracy, P. Lang

Plato. The Republic, 360 B.C.E. Translation by Benjamim Jowett

Andreas Sofroniou (1999) Therapeutic philosophy for the individual and the state, LuLu.com

Erich Kofmel (2008) Anti-Democratic Thought, Imprint Academic

مقارنة بين قواعد جيمس أندرسون للحساب الفوق-حقيقي وقواعد الحساب القياسية

Transreal Arithmetic : J. Anderson Standard Arithmetic
  • +1 \div 0 = +\infty
  • -1 \div 0 = -\infty
  • 1 \div +0 = +\infty
  • 1 \div -0 = -\infty
0 \div 0 = \Phi 0 \div 0 = NaN
\infty \times 0 = \Phi \infty \times 0 = NaN
\infty - \infty = \Phi \infty - \infty = NaN
\Phi + a = \Phi \ NaN + a = NaN
\Phi \times a = \Phi NaN \times a = NaN
-\Phi = \Phi \ NaN = NaN (i.e. applying unary negation to NaN yields NaN)
\Phi = \Phi \Rightarrow True \ NaN = NaN \Rightarrow False

Where Φ is a quantity expressed as”Nullity” and NaN is the IEEE standard floating point arithmatic rule for “Undefined Quantity”.

 

References:

Anderson, J. (2006). “Perspex Machine IX: Transreal Analysis”. In Longin Jan Latecki, David M. Mount, and Angela Y. Wu. (PDF). Vision Geometry XV: Proceedings of SPIE. 6499.

http://en.wikipedia.org/wiki/Transreal_arithmetic#Transreal_arithmetic_and_other_arithmetics

%d مدونون معجبون بهذه: