نظرات فى الفيزياء (1)

علم الفيزياء الحديث يمثل تجسيدا أنموذجيا للعلم التجريبى الذى أرسى قواعده الحديثة روجر بيكون فى القرن الثالث عشر الميلادى ، فهو قائم بالكلية على الملاحظة والإستنتاج ، فيقول محررا كتاب “قارئ العصور الوسطى” [1] عن التبريرات التى دفعت بيكون لإرساء قواعد العلم التجريبى على الملاحظة والإستنتاج:

” يوجد طريقتان لاكتساب المعرفة الملاحظة والإستنتاج، لأن الملاحظة ترسم الإستنتاج وتخططه ، ولكنها لا تؤكده ولا تزيل الشكوك التى تتعلق به حتى يستقر العقل على حقيقة ما ، ولا يتحقق ذلك حتى يتأكد العقل من هذا الإستنتاج عن طريق التجربة” ثم يضربا مثالاً “…كمثل الرجل البدائى الذى لم ير ناراً من قبل ، إذا رءاها أول مرة فإنه يستنتج أنها تحرق وتدمر الأشياء التى تشتعل فيها – بالإستنتاج المنطقى – ولكنه بالرغم من ذلك لن يتوقف عن القرب منها أو محاولة لمسها إلا عندما يلسعه اللهب أو يلقى فيها بعض المواد القابلة للإشتعال ويشاهد إحتراقها ، عند هذا ، تثبت التجربة له ما تعلمه من الإستنتاج المنطقى ، ولهذا فإن الإستنتاج وحده غير كافى للوصول إلى الحقيقة”

بيد أن هذا المثال الواضح الصريح القائم على تجربة أثر النار على إحدى الحواس الخمس لا يقترب بغير طريق من التجارب المعقدة التى تجرى على ظواهر أكثر تعقيدا بكثير من النار ولايمكن إستشعار تأثيراتها بإحدى الحواس الخمسة التى يتمتع بها الإنسان ، وأقصد بهذه التجارب معظم مجالات دراسة علوم الفيزياء الحديثة

من الأمثلة التى نستطيع أن نضربها على مقصدنا ، علوم المحيطات Oceanography حيث تقوم فرق الباحثين – على سبيل المثال – فى مركز فلوريدا الساحلى لعلوم المحيطات بجمع بيانات ومعلومات عن مياه المحيط الأطلنطى من سواحل جزيرة هاتكينسون على مدار اليوم والسنة ، وتشمل هذه البيانات قياسات لدرجة الحرارة والملوحة والحامضية وتركيز المواد المختلفة ، وما إلى ذلك ، ثم تقوم الحواسيب العملاقة بمعالجة كل تلك البيانات رياضياً للوصول إلى علاقات رياضية بين تلك المتغيرات وأحد الثوابت كالزمن أو حركة القمر (دلالة على المد والجزر)، أى أن تلك العلاقات الرياضية مستنتجة من تجارب عملية ، ولكن ثمة مشكلتين تمنعان تلك التجارب من الوصول إلى درجة الإقناع التى وصلت إليها تجربة النار السابقة

المشكلة الأولى هى إنعدام الإستنتاج المنطقى الذى يسبق التجربة ، فهؤلاء الباحثين لا يستطيعون بحال من الأحوال أن (يتخيلوا) ماالذى يجب أن يكون عليه كل متغير من تلك المتغيرات قبل إجراء تجاربهم ، لأن تلك المتغيرات لا يمكن إستشعار التغير فيها بالحواس الإنسانية المجردة ، ولهذا يلجأ الباحثون إلى الرياضيات (لتخيل) أو (توقع) درجة الحرارة والملوحة والحامضية – على سبيل المثال – التى يجب أن يكون عليها ماء المحيط فى كل يوم من أيام السنة ، ولكن هذه المعادلات الرياضية وضعت على أساس إفتراضى بحت ، قد يكون قد دعم ببعض التجارب القاصرة التى لا ترتقى بهذه المعادلات لتكون قوانين كونية تحكم ظروف كل بقعة من كل محيط على وجه كوكب الأرض

أما المشكلة الثانية فهى إشكالية دورية الظواهر Periodicity فهذه التجارب التى أجريت على مدار أحد الأعوام قد صورت للباحث الظروف الكيميائية والفيزيائية لمياه المحيط خلال هذا العام فقط ، وحتى بفرض أنها تتطابق مع بيانات الأعوام العشر السابقة ، فلا يزال الإحتمال قائماً أن تكون هذه إحدى الدورات الطبيعية التى قد يستغرق كل منها إحدى عشر عاماً ، أو عشرين ، أو خمسين ، إلى مالانهاية ، ولايزال ذلك الإحتمال قائما بدون أى تبرير كاف لإزاحته

أما عن الواقع الكارثى فى علم المحيطات تحديداً وعلوم المناخ عموماً أن البيانات المجموعة من أى نقطة محل الدراسة لا تتكرر بشكل دورى ، أى أنها تخضع لعلاقة فوضوية Chaotic مع الزمن ، مما يجعل من المستحيل وصفها بقانون رياضى مهما بلغ تعقيده ، أى أنه من المستحيل التنبأ بدرجة حرارة بقعة معينة فى المحيط الأطلنطى فى إطار زمنى يقدر بالأيام بدون نسبة خطأ مؤثرة

وللحديث بقية…

___________________

[1] James Bruce Ross and Mary Martin McLaughlin, eds., The Portable Medieval Reader, Penguin, 1977, pp. 626-635

Posted on 13 ديسمبر 2008, in Uncategorized, نقد العلوم الحديثة and tagged , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليقاً .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: