نظرات فى الفيزياء (2)

فى عام 1963 نشر إدوارد لورنز بحثه الشهير الذى يتحدث فيه عن فوضوية الحمل الحرارى فى دراسة الأرصاد ، أو ما أسماه بتأثير الفراشة The Butterfly Effect والذى عرفه بأنه الحساسية المفرطة التى تتمتع بها منظومة ما تجاه الشروط البدائية لبدء تغيرها ، ومنذ ذلك الوقت دأب الكثير من علماء الفيزياء والرياضيات على بحث تلك الظاهرة فى شتى المجالات ، وأصبحت “نظرية الفوضى” يتعارف عليها بين الرياضيين والفيزيائيين بأنها تهتم بدراسة الظواهر الطبيعية التى تتغير مع الزمن بشكل غير متكرر non-periodic ، فيظهر هذا جليا فى شكل مثل فراشة لورنز ، فإن كل نقطة يمر بها المنحنى فى لحظة ما لا تتكرر فى غيرها من اللحظات.

قبل ذلك بعام كان ماندلبروت يدرس البيانات المتعلقة بتغير اسعار القطن على مدى مائة عام ، ووجد أن هناك تغيرات وصفها “بالفوضوية” فى هذه البيانات، أى أن مدى الدراسة لم يكن يخضع للتوزيع الطبيعى الإحصائى، وقد ربط ماندلبروت هذه التغيرات الفوضوية بمقياس الدراسة ، فكلما زادت الدقة الزمنية لدراسة التغير فى أسعار القطن كلما زادت إحتمالية حدوث التغيرات الفوضوية ، وفى عام 1967 إمتدت دراسته لتشمل قياس طول سواحل إنجلترا ، وقد أوضح فى بحثه الذى نشر فى نهاية عام 1967 أن طول سواحل المملكة المتحدة يتغير بتغير مقياس الدراسة ، مما أثار جدلاً واسعاً حول علم الإحصاء والرياضيات المعاصرين وقدرتهما على إلقاء الضوء على حقيقة الظواهر الفيزيائية التى لا يمكن إدراكها بالحواس المباشرة للإنسان…!

البحوث والإكتشافات التى تحدث عنها لورنز فى علم الأرصاد وماى فى علم البيئة وماندلبروت فى علم الإحصاء و الكثير من علماء الفيزياء والرياضيات فى القرن العشرين تلقى الضوء على هوة سحيقة فى “يقينية” منهج الإستنتاج والتجربة الذى أسسه بيكون فى القرن الثالث عشر ، هذه الهوة نشأت منذ أن بدأ الإنسان يعتمد هذا المنهج فى تعرفه على ظواهر طبيعية لا يمكن أن يدركها بحواسه الخمسة ، وبالتالى – كما أشرت من قبل – لم يكن من الممكن أن ينشأ “إستنتاج” أو “تبرير” يقينى لحقيقة الظواهر الطبيعية بعيداً عن الرياضيات ، التى بدورها أسست على فروض ونظريات عرف أكثرها من المشاهدة المجردة لظواهر الطبيعة وقواعد المنطق ، وعلى هذا فإن الحضارة الإنسانية اليوم تدور فى فلك إهليليجى مركزه هو قواعد العلم التجريبى الحديث ، وقطره الأكبر هو مجموع النظرية النسبية ونظرية الكوانتا ، وقطره الأصغر هو قوانين الديناميكا الحرارية Thermodynamics ، وسرعة دورانها تتبع قوانين نيوتن للحركة ، بينما كانت حضارات أسلافنا تسير فى حركة ذات طبيعة مختلفة ، لربما كان بعضها خطى واآخر دورانى فى فلك مكتمل الإستدارة ، ولربما كان بعضها لا يتحرك أصلاً …!

Posted on 14 ديسمبر 2008, in نقد العلوم الحديثة, نظرية الفوضى Chaos Theory and tagged , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليقاً .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: