نظرية الفوضى – 1

نظرية الفوضى …مصطلح غامض مثير للإهتمام فى الأوساط العلمية بشكل عام والرياضية والفيزيائية بشكل خاص ، يمكن للمرء أن يسمع الكثير من الناس فى يومنا هذا يطلقون هذا المصطلح فى شتى مناحى الحياة ، حيث يتمتع مصطلح “الفوضى البناءة” الآن بالكثير من الشهرة عند الحديث عن سياسة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط ، بينما إنتشر مصطلح مشابه فى الأوساط الإقتصادية والتجارية خلال الأزمة الإقتصادية التى شهدها العالم مؤخراً ، وبدأ الحديث عن قصور نظريات الإقتصاد الغربى فى مواجهة التغيرات السياسية-الإقتصادية على المسرح الدولى ، خاصة بالنسبة لتأمين مصادر الطاقة وما شهده العالم من خلال أزمة أسعار البترول فى عام 2008 ، وفشل الأنظمة الإقتصادية والسياسية العالمية فى التنبأ المبكر بها ، أما على الجانب العسكرى فقد تمتع هذا المصطلح بالسيطرة فى ساحات المعارك على مستوى العالم بعد إنتشار مفاهيم أساليب حرب العصابات التى تعتبر “فوضوية” مقارنة بأساليب الحرب “النظامية” التقليدية ، وأثبتت تلك الأساليب قدرتها على الإستمرار والصمود أمام أعتى الآلات العسكرية الحديثة ، أما على المستوى الأيدولوجى العالمى فقد سيطر مفهوم “مابعد الحداثة” Post Modernization على الأوساط الثقافية فى العالم كمظهر من مظاهر إعتناق الحضارة الإنسانية المعاصرة لنظرية الفوضى ، وتجسد هذا فى مفهومي السيرورة (عدم الثبات) والبراجماتية التى تجبر الإنسان المعاصر على التغير الدائم فى مواجهة المجتمع البشرى الخاضع لمفاهيم العلم التجريبى الذى بدأت تتغير وتتجدد بدورها

ماهى الفوضى ؟ إن نظرية “الفوضى” أو كما يطلق عليها بالإنجليزية Chaos Theory تعبر عن المنظومات الطبيعية التى تسلك نهجاً عشوائياً أو “فوضوياً” فى أدائها وتغيرها ، ومن المثير جداً أن نعرف أن كل الظواهر الطبيعية المعروفة قد تخضع بغير حال إلى هذه النظرية ، أو على الأقل قد تثير شكوك العلماء فى وقت ما بشأن إمكانية خضوع أدائها للفوضوية…وهذا يشمل بلا إستثناء الظواهر الطبيعية والسلوك الإنسانى على مختلف المستويات باعتبار الإنسان أحد عناصر الطبيعة ، ولإدراك حقيقة الفوضى كنظرية مرشحة لإستبدال النظريات ذات الطبيعة “الدورية” الناتجة عن العلم التجريبى خلال الأربعة قرون الماضية يجب على المرء أن يتعرض لهذه النظرية بشئ من التفصيل

فى عام 1961 و عندما كان إدوارد لورتز يعمل فى التنبأ بالأرصاد فى مختبر لوس ألاموس Los Alamos فى الولايات المتحدة نجح فى كتابة برنامج حاسوب يقوم بحل ثلاث معادلات تفاضلية ، غير خطية ، للتعبير عن درجة حرارة الجو وتغيرها مع الزمن ، ولكن هذا البرنامج كان دائماً ما يخرج نواتج ذات طبيعة “دورية” Periodic. ما يعنيه هذا المصطلح أن درجة حرارة الجو فى نقطة ما – على سبيل المثال – تتغير بشكل دورى ، أى أن قيمتها تتكرر بشكل ما على مدار الزمن ، مما أثار قريحة لورنز لأنه من المنطقى ألا يكون الجو يخضع لأى تكرار أو “دورية” Periodicity فى تغيره ، وهذا من المشاهد بالحس

لقد أدخل لورنز على برنامجه بعض التعديلات كان أهمها أنه جعل المعادلات تتشابك بين بعضها البعض وبين الزمن فى علاقة غير خطية ، مما أعطاها طبيعة رياضية جديدة ، هذه الطبيعة تمثلت فى أن نواتج هذه المعادلات أصبحت شديدة الإعتماد على الشروط المبدئية “الزمنية” و “الفيزيائية” لحلها

الحادث البسيط الذى جعله يربط بين تلك الطبيعة الرياضية المثيرة وبين فيزياء الأرصاد التى كان يعكف على دراستها أنه فى يوم ما أوقف جهاز الحاسوب الذى يقوم بحل منظومة المعادلات بطريقة عددية ، وعندما أراد أن يستكمل الحل شعر أنه من الأسهل أن يقوم بإدخال الأرقام التى قد توقف الحاسوب عندها بدلاً من أن يبدأ الحل من جديد ، وقام بالفعل بهذا بعد أن قرب الكسور العشرية الخاصة بكل رقم إلى أقرب ثلاث أرقام عشرية ، وهذا ما ظنه كافياً لإستمرار الحل بنفس الطريقة ، والحضول على نواتج قريبة ، ولكن نواتج الحل بعد ساعة كانت مختلفة تماما عما توقعه وعن النواتج السابقة التى كان الحاسوب يخرجها فى حالة عدم تدخل لورنز فى الحل كما حدث عرضاً ، كان المنحنى الذى يمثل تغير درجة الحرارة يتحرك بشكل “فوضوى” و “غير دورى” … وهذا ما كان لورنز يتوق بالفعل للحصول عليه

لقد أطلق لورنز إسم “تأثير الفراشة” The Butterfly Effect على هذه الظاهرة الفريدة ، ظاهرة الإعتمادية الفائقة الحساسية على الشروط المبدئية ، ومثلها بأن التغيير الطفيف الذى قد تحدثه حركة جناحى فراشة فى حركة الرياح قد يتعاظم أثره بعد فترة طويلة من الزمن – بضعة شهور على سبيل المثال – ليمنع إعصاراً كان من الممكن أن يبدأ فى مكان ما لو لم تتحرك هذه الفراشة منذ بضعة شهور [1]

إن هذه الظاهرة ، التقليدية عند الحديث عن نظرية الفوضى ، تصف الأنظمة الطبيعية التى قد تتأثر بالشروط والأحوال المبدئية على المدى الطويل تأثيراً يغير من أدائها جذرياً ، فعند البدء فى تجربة ما بالرقم 2.0000 على سبيل المثال ، يحصل المرء على نواتج فى غاية الإختلاف عما إذا بدأ نفس التجربة بالرقم 2.0001 ، وهذا أحد أهم عناصر نظرية الفوضى

بناءاً على ما اكتشفه ، نشر لورنز أهم أبحاثه فى عام 1963 تحت عنوان “السريان الدورى الغير محدد”[2] Deterministic nonperiodic flows حيث أثبت فيه عجز الرياضيات عن التنبأ الدقيق بالأرصاد ، حتى هذه الدقة “الممكنة” لاتزال بعيدة كل البعد عما يدور فى أذهان عامة الباحثين فى حقل الرياضيات ، وخاصة هؤلاء البسطاء الذين تبهرهم طرق الحل العددى الحديثة والتى تنتج حلولاً بعيدة كل البعد عن التعبير عن الظواهر الطبيعية الفائقة التعقيد

المراجع

[1] Stewart, I., 2002, Does God Play Dice? The Mathematics of Chaos, Blackwell publishing.

[2] Lorenz, E. N., 1963, Deterministic nonperiodic flows, Journal of the Atmospheric Sciences, Vol. 20 (2) pp. 130-141

Posted on 19 يناير 2009, in نقد العلوم الحديثة, نظرية الفوضى Chaos Theory and tagged , , , , . Bookmark the permalink. تعليق واحد.

  1. نظريه الفوضى لازم تدرس في مصر لحا مشاكلنا الحاليه وبالذات في ميدان التحرير

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: