فرضية الأكوان المتعددة…بين ميكانيكا الكم والتطرف الإلحادى

تصور فني عن الأكوان المتعددة كما تراها نظرية الأوتار الفائقة

فرضية الأكوان المتعددة هى واحدة من أهم الفرضيات المتداولة فى علم الفلك الحديث ، وهى تقول – ببساطة – أن ما يستوعبه الإنسان على أنه “الكون” إنما هو “أحد” الأكوان الموجودة فى مجموعة لانهائية من الأكوان المماثلة والمناظرة ، بل والمختلفة أيضا…!

ظهر مصطلح الأكوان المتعددة  multiverse لأول مرة فى عام 1895 على يد فيلسوف أمريكى – كالعادة – يدعى ويليام جيمس [1] ، ويبدو أن هوس الأمريكيين بكل ماهو غريب وغير معقول كان قد بدأ منذ ذلك الوقت ، وتنص فرضية الأكوان المتعددة على وجود عدد لانهائى من الأكوان ، لكل منها قوانينه الطبيعية المستقلة والتى لا يمكن أن تدرك بواسطة من يعيشون فى أكوان مختلفة. للوهلة الأولى يبدو الحديث عن هذه الفرضية ، التى قد تبدو فلسفية أكثر منها علمية ، سخيفاً وشبيهاً بأفلام الخيال العلمى المريضة التى كانت تصنعها السينما الأمريكية فى السبعينيات والثمانينيات ، ولكن بالتعمق فى هذه الفرضية نصل إلى بعض الحقائق الهامة بشأن الدوافع – الخفية – التى أدت إلى صياغتها ، واستمرارها كأحد المواضيع التى تدرس فى علم الفلك الحديث إلى يومنا هذا

إذا تأملنا فى نص هذه الفرضية نجد أنه قد خضع لجدل ليس بالهين منذ صياغتها فعليا فى خمسينيات القرن الماضى على يد هيو إيفيرت [2] ، أحد طلبة الدكتوراه فى جامعة برينستون بأمريكا حينئذ ، حيث قدم هذه النظرية ليحاول أن يقترح تفسيراً لقوانين ميكانيكا الكم التى كانت ولا تزال خاضعة لشكوك أصولية تهدد وجودها فى كثير من الأحيان. السؤال الذى طرح قبل إيفيرت بخمسن عاماً عندما تقدم ماكس بلانك بنظريته عن ميكانيكا الكم كان : لماذا تتعارض قوانين ميكانيكا الكم مع قوانين الفيزياء المعروفة ؟ سواء الفيزياء التقليدية أو النسبية ؟

كما هو معروف عن قوانين ميكانيكا الكم أنها قوانين قائمة على الإحتمالات والعشوائية ، ببساطة شديدة ، الجسيم الكمى quantum particle له عدد لانهائى من إحتمالات الحركة فى لحظة معينة ، وعلى ذلك ، فنظريا يستحيل تحديد سرعة أو اتجاه أى جسيم كمى فى لحظة معينة ، وللتغلب على هذه المشكلة القاتلة فى ميكانيكا الكم تقدم رواد هذا العلم ببعض التفسيرات التى تجعل ميكانيكا الكم مقبولة ومنطقية ، أهم هذه التفسيرات هو تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم [3]، والذى تبنى أطروحة هايزنبرج [4] التى تقول بأنه بالرغم من وجود عدد لانهائى من الحالات العشواية لأى جسيم كمى ، فإن مجرد ملاحظة هذا الجسيم ومحاولة قياس أى حالة من حالاته تتدخل فى سلوكه وتجبره على اختيار حالة واحدة ليسلكها ، وعلى هذا تم تفسير العشوائية التى تنتج عند قياس الجسيمات الكمية وحركتها أو سلوكها الموجى…باختصار ، أطروحة هايزنبرج تقول أن الحواس الإنسانية تؤثر فى سلوك الجسيمات الكمية عند ملاحظتها !! بغض النظر عن الإثبات الرياضى لأطروحة هايزنبرج أو لتفسير كوبنهاجن ، فإنهما لم يقدما الكثير لإنقاذ ميكانيكا الكم من الخطر المحدق بها فلسفيا ومنطقيا ، حيث لاتزال سلوكيات الجسيمات الكمية – الغير خاضعة للمراقبة أو القياس –  محل شك وإفتراضات بما لايتوافق مع التدقيق المتناهى fine tuning المشاهد فى الكون ، ولاتزال العلاقة بين سلوك هذه الجسيمات والحواس الإنسانية أو أدوات القياس – للجسمات الغاضعة للمراقبة والقياس – غير معلومة…

إذاً فإن الجسيم الكمى ، والذى له طبيعتان جسيمية وموجية ، عندما يقوم أحد العلماء بقياس أى منهما فإنه سيكون قادرا على قياس أحدهما فقط طبقا لقوانين ميكانيكا الكم ، ما وضعه هاف إيفيرت كان عند هذا الحد حيث إقترح أنه فى تلك اللحظة ينقسم الكون إلى كونين حتى يمكن حل معادلة الإحتمالات لهذا الجسيم ، وفى الكون الآخر يتمكن نفس العالم – أو غيره – فى نفس اللحظة من قياس الطبيعة الثانية للجسيم الكمى…وإذا عممت قوانين ميكانيكا الكم على كل قوانين الفيزياء ، فسيعنى هذا أنه يوجد عدد لانهائى من الأكوان بكل منها عدد لانهائى من القوانين البديلة والمختلفة عن قوانين عالمنا هذا ، هذه القوانين لا نستطيع إدراكها بطبيعة الحال لأننها لسنا موجودين فى هذا “البعد”  dimension من الوجود existence  ، لهذا تسمى هذه الفرضية فى كثير من الأحيان فرضية الأبعاد المتوازية parallel dimensions ، والتى أصبحت فى النصف الثانى من القرن العشرين من أخصب الأفكار لتأليف وإنتاج أغلام الخيال العلمى والمسلسلات التليفزيونية التى نجحت إلى حد كبير فى إقناع المشاهد – الغربى والشرقى – بهذه الفكرة فى الإجمال ، فشاهدنا أفلاماً تتحدث عن أكوان لم تنقرض فيها الديناصورات وشاهدنا عوالم لم تحدث فيها الحربين العالميتين ، بل وقرأنا روايات عربية تتحدث عن أشخاص يسافرون عبر هذه الأكوان بجهاز يشبه الآلة الحاسبة…!

إلى هذا الحد يبدو أمر إعتيادياً ، عالم أمريكى يقدم نظرية خرقاء ، وينجح بشكل ما فى ربطها بميكانيكا الكم – أحد العلوم الطبيعية الوجيهة وذات الشأن – لينتهى الأمر ببعض الأعمال الدرامية التى تتخذ من هذه النظرية مادة للجمهور المدمن لعوامل الإثارة والإبهار…ولكن إذا تعمقنا خلف هذه الواجهة بعض الشئ ، سنجد أن فرضية الأكوان المتعددة كانت أهم العوامل التى أيدت المبدأ الأنثروبى [5] فى الفلسفة الحديثة والذى يعتبر أهم أعمدة الإلحاد العلمى فى عالمنا اليوم ، بل إن القول بأن المبدأ الأنثروبى بعتمد بشكل رئيسى على فرضية الأكوان المتعددة كإثبات “علمى” لصحته ، مع التحفظ بالطبع على كون هذه الفرضية من العلوم التجريبية حيث أنه لم يستدل عليها بأى مشاهدة طبيعية ، وعليه فإنه يتم نشر المبدأ الأنثروبى فى وسط النخب العلمية والمثقفة – وبالذات بين دارسى الدكتوراه فى الجامعات الغربية – على أنه مبدأ ذو “أدلة علمية” يقدم تفسير للوجود existence بدون خالق creator ويقدم أيضا – بما يثير التعجب – تفسيراً للتدقيق المتناهى والذى يعتبر أهم الأدلة التى يستدل بها الخلقيون creationsts على وجود خالق للكون

المبدأ الأنثروبى ينص على أن الوجود يشكل عامل إختيار selection factor يعمل على إختيار الخصائص والقوانين الكونية التى يمكن لنا أن ندركها ، حيث أنه هناك عدد لانهائى من البدائل للخصائص والقوانين الكونية التى يمكن أن نشاهدها فى أكوان أخرى ، ولكن نظرا لوجودنا فى هذا الكون فإننا يمكن فقط أن نشاهد عددا معينا وعمقا محددا من هذه الخصائص والقوانين الطبيعية ، وعلى هذا فإن ما نشاهده على أنه تدقيق متناهى للكون وتصميم ذكى Intelligent design ماهو إلا مجموعة من القوانين يوجد عدد لانهائى من بدائلها العشوائية فى أكوان أخرى ، وأن هذا التصميم الذى ماهو إلا الحد المحدود من قدرتنا على الإدراك ، وأنه هذا الحد لو إتسع على سبيل الفرض فسوف يصبح هذا التصميم الذكى للكون والتدقيق المتناهى لخصائصه عشوائيين تماما.

إذاً ، العلاقة بين فرضية الأكوان المتعددة والمبدأ الأنثروبى واضحة للغاية ، إذا وجدت أكوان أخرى فإنه يسهل تفسير هذا التدقيق المتناهى الذى يحير علماء الطبيعة منذ بداية عصر الإلحاد المسمى بالتنوير فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ، ولكن المثير للسخرية أن فرضية الأكوان المتعددة فى ذاتها ليست حقيقة علمية ولا تقوم عليها أى مشاهدات قوية تصمد أمام النقد العلمى العادل ، وإنما هى نفسها محاولة لتفسير سلوك الجسيمات الكمية الخاضعة لقوانين ميكانيكا الكم ، التى بدورها افترضت إنعدام التصميم الذكى وفكرة الخلق…! الشئ الوحيد الثابت عبر هذه النظريات والفرضيات هو الإصرار الغربى على الإلحاد وإنكار وجود الخالق ، وإعتماد هذا الإصرار كأساس للإنطلاق نحو تقديم تفسيرات وأطروحات وفرضيات علمية تمس تقدم البشرية ورقيها ، بل وتمس الواقع اليومى لبنى آدم على الأرض…

بالطبع فإن إدراك العلاقة بين “عقيدة” الإلحاد كأساس لمثل هذه الفرضيات والأطروحات التى ينبهر بها الناس شرقا وغريبا يحتاج إلى وقفة مع تاريخ العلوم فى أوروبا خلال عصر الإلحاد أو مايسمى بــ”التنوير” ، وهو ما يصعب توقعه من مدعى الـ”ثقافة” فى العالم العربى الآن ، هؤلاء الذين لايزالون يرددون بكل غباء ترهاتهم عن التقدم الغربى والحداثة والتنوير والحرية والليبرالية وما إلى هذه المصطلحات التى ما هى إلا تجسد للتعصب الإلحادى الغربى فى أشد صوره

المراجع

[1] M. Kaku (2006) Parallel worlds: a journey through creation, higher dimensions, and the future of the cosmos, Anchor Books

[2] B. Carr (2007) Universe or multiverse? Cambridge University Press

[3] J. Mehra and H. Rechenberg (2001) The Historical Development of Quantum Theory: The Fundamental Equations of Quantum Mechanics 1925-1926 : The Reception of the Quantum Mechanics 1925-1926 – Reprint

[4] W. Heisenberg, C. Eckart (1930) The physical principles of the quantum theory, Courier Dover Publications

[5] F. J. Tipler (1988) The anthropic cosmological principle, Oxford University Press

Posted on 11 أبريل 2010, in 29069584, فلسفة الرياضيات, ميكانيكا الكم, ماهية الكون, نقد العلوم الحديثة, نظرية الفوضى Chaos Theory, الفيزياء الكونية, التطرف الغربى, الحداثة, الحضارة الإسلامية, الحضارة الغربية, الطاقة المظلمة, عصر التنوير and tagged , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 4 تعليقات.

  1. bonsoir . je suis ali de maroc . la verite que jai une theorie peut etre je vais preuver que il exite pas le multiverse et je vai explique pourquoi on peu voire le quantum particle dans pluesieure place au meme temps

  2. من الواضح تماما أنك غير متخصص فى أى علم من العلوم الطبيعية ، فالدليل على عدم تخصصك أنك لم تحاول أن تذكر مراجع تلك الروايات التى ذكرتها ، وعدم ذكر المراجع من أهم أدلة (النصب) العلمى ، ومن الواضح أيضا أنك لم تقرأ أى شئ عن (نظرية التطور) لأن الغرب الآن يعتبرها (عقيدة) وليست (نظرية علمية) لأنه قد اتضح أن كل أدلتها ملفقة وغير صحيحة ، وعليك بقراءة الكتب التالية لتدرك مدى جهلك
    More Criticism on Darwin: And Administrative Nihilism by H.T. Huxley
    The Darwin Myth: The Life and Lies of Charles Darwin by B.Wiker
    هذا بالطبع إن كنت تجيد اللغة الإنجليزية بما يكفى لتقرأ كتاب واحد بالإنجليزية…
    ثم إن نظرية التطور تتحدث عن العلاقة بين أنواع الكائنات الحية ، ولا دخل لها بنظريات علم الكونيات والذى يتناول بالبحث نشأة الكون…فما علاقتها بالمواضع المنشورة على هذه المدونة…؟؟؟

    ثم إنك لو كنت أمينا فى نقلك ، أيها الجاهل، لكنت قد نقلت رأى الإمام الترمذى الذى روى حديث (الحبل الذى سقته أنت) ، فقد ضعف الترمذى الحديث ، بالإضافة إلى أن مدار الحديث على رواية من روايات الحسن عن أبى هريرة ، ومعروف أن الحسن لم يسمع من أبى هريرة…
    بالإضافة إلى أنك لم تنقل كلام الحافظ بن كثير وتعليقه على هذا الحديث وتضعيفه للإسناد وإنكاره للمتن…..

    ولكن ماذا أصنع مع أمثالك؟! فهذا هو سلوك الجهال من أدعياء الإلحاد العرب…ليس لكم علم إلا اتباع الظن وما تقرؤوه من زبالة الفكر على المنتديات النصرانية والمواقع المتخلفة…ولا يصمد الواحد منكم لنقاش واحد

  3. ابن عباس في قوله (سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها “…”قال رجل لابن عباس:(الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) الآية . فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر؟ ” قال عمرو قال : في كل أرض مثل إبراهيم ونجوما على الأرض من الخلق” وروي عن ابن عباس أنه قال “(الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى” (2)!!

    وفي حديث طويل أورده ابن كثير في تفسيره لقول القرآن (هو الأول والآخر) الحديد4، نقرأ أن الرسول(ص) قال ” هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال : فإنها الأرض ، ثم قال : هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال تحتها أرض أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة ، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلا إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)”(3).

  4. في الحقيقة يوجد حديث او رواية اسلامية تقول انا هناك ارضي وسموات اخرى وقال الراوي فيها : انه يوجد فيها ادم مثل ادمنا وابراهيم مثل…الخ- لاكن مشكلتنا بأننا لانقبل الجديد متحجرين كمثل الحمار يحمل اسفارا- فبعد رفضنا لنظرية التطور ولصقها بالالحاد اصبحت النظرية ثابتة – فبينما يسير العالم خطوات إلى الامام للاسف نعود اميال إلى الوراء- ارجوا ان لاتكتبوا في الحلقة القادمة ان الارض مسطحة وانها لا تدور

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: