بين الدين والعلم…قراءة فى بعض كتابات الأستاذ وحيد الدين خان

العلامة الأستاذ وحيد الدين خان

تلقيت بعض الأسئلة ، بل والإعتراضات ، من بعض القراء الفضلاء لهذه المدونة بخصوص ما كتبته فى التدوينة السابقة عن الدين والعلم وبطلان إرتباط كل منهما بالآخر من حيث الأدلة الفلسفية ، وقواعد الإستدلال ، ومقتضيات الحقائق ، وانحصرت تلك الأسئلة والإعتراضات فى ثلاث مسائل : الأولى هى أن الربط بين الدين والعلم يخدم الدعوة إلى الإسلام ، والثانية أن العلم به العديد من الحقائق والمسلمات التى تؤيدها بعض النصوص الدينية صراحة (كنظرية الإنفجار الكبير) والثالثة أن مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث توافق المنطق والعقل ، وكذلك الدين ، وبهذا يرتبطان…وبعد تأمل لهذه الأطروحات الثلاث وجدت أنه من المناسب أن أقوم بالرد عليها ومناقشتها من خلال قراءة فى كتب الأستاذ وحيد الدين خان ، وتحديدا فى كتاب “الدين فى مواجهة العلم” وكتاب “الإسلام يتحدى” ، والأستاذ وحيد الدين خان علم من أعلام الإسلام فى عصرنا هذا ، ومن العبث محاولة التقديم له وذكر مناقبه ودفاعه عن هذا الدين العظيم ، ولكن لمن لم يسمع به من قبل فهو المفكر الهندى الكبير والداعية الفاضل وحيد الدين خان مؤسس أحد المدارس الفكرية الإسلامية الرائدة والتى تؤمن “بوجوب مواجهة التحديات التى يواجهها الإسلام والمسلمون بنفس المصطلحات والوسائل والأساليب التى يستخدمها الأعداء وبوجوب إيجاد فكر إسلامى عصرى متكامل ، ونبذ الحزبية تماماً فى المرحلة الراهنة ، والتركيز على تعليم الشعوب الإسلامية وتصنيع البلاد الإسلامية وتقوية إقتصادياتها كتمهيد لابد منه لأى نهضة إسلامية ناجحة” وقد ترأس تحرير “الجمعية الأسبوعية” أوسع المجلات الإسلامية انتشارا فى الهند ، ويهتم فضيلة العلامة وحيد الدين خان فى معظم كتاباته وأعماله بنقد الحضارة الغربية والأسس الفلسفية التى تقوم عليها وقد نجح فى هذا نجاحا باهراً ومما ترجم له إلى العربية “الدين فى مواجهة العلم” و”الإسلام يتحدى” و”من نحن”و “المسلمون بين الماضى والحاضر والمستقبل” و”تجديد علوم الدين” ، وقد دعا الأستاذ العلامة وحيد الدين خان إلى إحياء علم الكلام فى مواجهة الفلسفات الإلحادية (*) التى انتشرت فى العالم فى هذا العصر كالوجودية والعدمية والإلحادية والكونية وغيرها ، ودعا إلى مواجهة إنتشار مثل هذه السموم فى البلاد الإسلامية عن طريق الحوار العلمى المتسلح بعلوم الكلام والفلسفة الإسلامية ، ولكن بحزم لا يلين وشدة لا تهاون فيها ، وهو لايزال حيا على حد علمى ، بارك الله فى عمره وعمله

فإذا عدنا إلى المسائل الثلاث التى يؤول إليها كلام القراء الكرام ، فيمكن تلخيص الرد عليها فيما يلى :

أولاً – فإن السعى وراء العلم الحديث بهدف خدمة الدعوة الإسلامية نابع من خلل فى فهم قصور هذه الدعوة حالياً ، فإن الدعوة لدين الله عزوجل إنما أصابها الخلل من تلقاء المسلمين أنفسهم وليس من تلقاء الدين ولا منهج الدعوة إليه ، والدليل على هذا أننا إذا نظرنا لمدى إستجابة العالم لدعوة الإسلام فى عهد الخلافة الراشدة – على سبيل المثال لا الحصر- على ما كانت عليه وسائل الدعوة فى هذا الوقت من القلة والضحالة ، ونظرنا إلى حجم استجابة العالم إلى نفس الدعوة الآن على ما عندنا من وسائل الإتصال والدعوة ، سندرك أن الخلل والقصور قد أصاب القائمين بهذه الدعوة ومن ثم تسرب إلى منهجها ،فيكون الإصلاح بإصلاح المسلمين وبلادهم وليس بخلط الدين بالعلم الحديث ، لأن هذا الخلط لن يقود إلى أى نجاح حقيقى للدعوة الإسلامية ، قد يقود إلى نجاحات فردية استثنائية بلا شك ، ولكن أن يقود ذلك الخلط إلى نجاح حضارى شامل لدعوة الإسلام فهذا يستحيل أن يتحقق بهذا المنهج ، ذلك أن الغرب نفسه وهو مهد العلم المادي الحديث لا يزال تراوده الشكوك بشدة تجاه العلم ونظريات المعرفة التى أسسها – كما سيتضح لنا فيما بعد – بالإضافة إلى هذا ، فإن المثال على الدعوة الإسلامية – وهو الحضارة الإسلامية المعاصرة – يلوث أى محاولة لربط الدين الإسلامي بالعلم ، فأول ما يتبادر إلى ذهن الإنسان الغربيّ فى هذا السياق هو : إذا كان الإسلام يدعو إلى العلم الحديث والحضارة الحديثة ، فلماذا أنتم بهذا التخلف؟ لابد أن هناك خطأ ما!

ثانياً – يوجد مشكلتان رئيسيتان فى الربط بين الحقائق العلمية (المزعومة) وبين النصوص الدينية ، كما وضحت فى التدوينة السابقة ، المشكلة الأولى أن الحكم على نظرية علمية بأنها (حقيقة علمية) أمر فى غاية الصعوبة فى ظل طرق الإستدلال المعرفية التى يقوم عليها العلم الحديث ، والمشكلة الثانية أن دلالة النصوص فى الإسلام أصلاً ليست علمية بمفهوم العلم الحديث ، بل هى ذات دلالات تشريعية ودينية ، فيصبح التوصل إلى دلالة (علمية) بمقاييس العلم الحديث لهذه النصوص أمر بالغ الصعوبة أيضاً ، ويصبح التوصل إلى (إتفاق) أو (إجماع) على هذه الدلالة الجديدة أمراً مستحيلا بلا مبالغة ، لهذا فإن الربط بين العلم (أو مايمكن أن يطلق عليه حقيقة علمية) وبين النصوص الإسلامية أمر فاسد من حيث أصله ومقتضياته

ثالثاً – إن مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث – وإن وافق بعضها العقل والمنطق وليس كلها – تبنى على العقل المجرد من أى إعتقادات بينما مقاييس الإستدلال فى الإسلام تبنى على العقل والمنطق المقيد بقيود الشريعة المشرفة والمتشبع بالإيمان المسبق بعصمة الوحيين : الكتاب والسنة ، فيظهر من هذا التقابل الإختلاف البين بين مقاييس الإستدلال فى العلم الحديث والإسلام من حيث أن الأول غير متقيد إلا بقيود المنطق والعقل وغير مبنىّ على إيمان مسبق بأى فكرة أو حقيقة ، بينما الثانى متقيد بقيود الشريعة وهذا التقيد هو أحد نواتج الإيمان المسبق بعصمة الوحيين

طرق الإستدلال فى العلم الحديث

“…إن المعيار الإستدلالى للعلم الحديث يبدو كأنه معياراً واحدا لبساطته واعتماده على المشاهدة والإستنتاج ، ولكن الحقيقة التى لا يدركها الكثير من الناس أن هذا المعيار له درجات من الناحية العلمية:

أولاً – إن الدرجة الأولى لهذا المعيار هو أن يكون الأمر المراد مشاهدته أو تجربته فى متناول أيدينا مباشرة ، كمن يقول “إن الماء يحتوى على كائنات حية” فيمكن بوضع منظار مكبر (ميكروسكوب) على قطرة من الماء تأكيد أن هناك عددا كبيرا من هذه الكائنات الحية موجود بالفعل فى الماء

ثانياً – والدرجة الثانية لمعيار الإستدلال العلمى هى ألا تكون الدعوى قابلة كليا للمشاهدة بل يمكن مشاهدة بعض أجزائها فقط ، على سبيل المثال فإن دعوى (كروية الأرض) تم الإستدلال عليها قبل الصعود إلى القمر وذلك بتصوير أجزاء متعددة من سطح الأرض من طائرة مرتفعة ، حيث بدت الأرض مستديرة كالقمر ، والواضح أن هذا كان جزءاً من كرويتها وليس صورة كاملة لها

لكن الحقائق التى ندركها من خلال هاتين الدرجتين من درجات الإستدلال العلمى ليست إلا جزءا بسيطا من الحقائق المعروفة لنا ، فالحقيقة أننا لم نحصل على (حقيقة ذات أهمية) عن طريق هاتين الدرجتين من درجات الإستدلال العلمى ، على الرغم أن من دراستنا النظرية للكون تؤكد وجود مالايحصى من الحقائق ذات الأهمية فى الكون” أ.هــ [1]

أما الحقائق التى أدت إلى معظم إكتشافات الفيزياء الحديثة وعلوم الفضاء فهى ناتجة عن الدرجة الثالثة من درجات الإستدلال العلمى ، ولهذا حديث آخر بإذن الله تعالى

____________________________________________

[1] نقلا – بتصرف يسير- عن كتاب (الدين فى مواجهة العلم) للأستاذ وحيد الدين خان ـ ترجمة ظفر الإسلام خان ، طبعة دار النفائس ، صفحة 10

(*) هناك فارق هائل بين الدعوة إلى مواجهة الأفكار الإلحادية والمناهج الفلسفية المسمومة عن طريق إحياء علم الكلام وبين استخدام هذا العلم وقواعده لمحاولة إثبات العقائد الإسلامية وتفاصيلها بعيداً عن التقيد بالنصوص الشرعية ، فكما واجه الإمام أبى حامد الغزالى – رحمه الله تعالى – الفلاسفة بعلم الكلام والمنطق ووضح فساد إستدلالاتهم وقياساتهم ، كما يتضح ذلك من كتابه (تهافت الفلاسفة) وكما واجه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – الفلاسفة والعقلانيين ورد شبهاتهم فى كتابه (درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل) يدعو مولانا فضيلة الأستاذ وحيد الدين خان إلى مواجهة الفكر الإلحادى الغربى والفلسفات الكفرية بنفس المنهج والطريقة ، أما الإستدلال على العقيدة الإسلامية وتفاصيلها فلا يكون عند أهل السنة والجماعة إلا من خلال النصوص الصحيحة وتفسير علماء السلف لها ، ويتضمن ذلك الإجماع وأحاديث الآحاد الصحيحة ، بخلاف المتصوفة والمعتزلة وغيرهم من الفرق التى انشقت عن أهل السنة والجماعة فى أمور الإعتقاد لتقديمهم الكلام والمنطق على النصوص

Posted on 18 نوفمبر 2010, in فلسفة الرياضيات, ماهية الكون, متعدد الأكوان, نقد العلوم الحديثة, نظرية الفوضى Chaos Theory, الفكر المتحرر, الفيزياء الفلكية, الفيزياء الكونية, الليبرالية, النظرية النسبية, الإلحاد, التقدم العلمى, التنوير, التطرف الغربى, الحداثة, الحضارة الإسلامية, الحضارة الغربية, العالمانية, علم الفلك, عصر التنوير and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 2 تعليقان.

  1. الرد على هذ الطرح يتطلب التركيز على ثلاث مبادئ فى غاية الأهمية ، الأول أن إطار المقارنة بين حقائق الدين واكتشافات العلوم التجريبية لابد أن يكون له قواعد محددة لا يتم الحياد عنها كشأن إطار المقارنة بين نتاج أى فكرين مختلفين ، والثانى أن الإيمان بصحة الدين لا يتوفر إلا للمؤمنين بهذا الدين ، والثالث أن الإيمان بأى دين يتطلب الرفض النسبى لبعض طرق الإستدلال العلمى وإلا ناقض الشخص نفسه إذا آمن بالإثنين معاً
    بالنسبة للمبدأ الأول ، فكيف يتسنى وضع قواعد محددة ثابتة لمقارنة حقائق الدين (وأعنى الإسلام فقط) وبين اكتشافات العلم التجريبى ؟ كما تعلم ، فإن دلالة النصوص الدينية إما شرعية وإما بلاغية خبرية وإما دلالة لفظية ، فكيف يمكن ربط الدلالة العلمية على وجه التحديد بأى من هذه الدلالات ؟ وإذا اخترنا على سبيل المثال الدلالة اللفظية للنص لتكون هى المرجع فى تحديد الدلالة العلمية ، فما الدليل الشرعى على صحة هذا الإختيار ؟ فمعرفة مراد الله تعالى أو مراد نبيه صلى الله عليه وسلم لا تتم بالأهواء ولكن لابد من أصل شرعى ينبنى عليه تحديد دلالة النص العلمية ، فإذا افترضنا جدلاً إمكانية تحديد هذا الأصل الشرعى ، فكيف يمكن تحقيق الإجماع عليه بين علماء الإسلام حتى يصبح معتمداً لهذه المقارنات المطلوبة ؟ هذا من جانب القواعد الدينية للمقارنة ، أما بالنسبة للقواعد العلمية ، فكل ما يتوصل إليه عن طريق المقياس الإستدلالى الثالث والرابع من طرق الإستدلال العلمية لا يعدو كونه نظرية علمية وليس (حقيقة) علمية ، فإن الحقائق هى التى يتوصل إليها عن طريق المرتبتين الأولى والثانية ، فكيف يمكن مقارنة (نظرية) بــ(حقيقة) من الحقائق التى يؤمن بها المسلمون عن طريق إيمانهم بصحة الوحيين ؟
    المبدأ الثانى ، وهو الإيمان بصحة الدين ، أو تحديدا الإيمان بعصمة الوحيين ، وهذا لا يتوفر إلا للمسلمين ، بينما تهدف المقارنة أصلا إلى إثبات صحة الوحيين ، وهذا تناقض بين هدف المقارنة وبين أصولها ! فإذا افترضت أن أحد أصول المقارنة هو صحة الوحيين (الكتاب والسنة) ، فما هو هدف المقارنة الذى تسعى لإثباته من ورائها إذا ؟! إذا كان الهدف هو محاولة إثبات صحة اكتشافات العلم التجريبى فسيكون هدفاً لا يمكن تحقيقه إذ أن فلاسفة العلوم التجريبية لا يؤمنون أصلا بصحة الوحيين وبالتالى فلا يعتبرون أن نصوصهما لها أى صحة بخلاف ما يمكن إثباته ، وعادة ما يحيلون نتائج هذه المقارنات إلى (التشابه اللغوى)…ولا تنس أن العلم التجريبى الحديث قائم على ركائز إلحادية أهمها معاداة فكرة الخلق أو وجود الخالق
    أما بالنسبة للمبدأ الثالث ، فإن مجرد الإيمان بالإسلام وصحة الوحيين يتطلب من المؤمنين الرفض النسبى للدرجة الثالثة والرابعة من درجات الإستدلال العلمى ، وإلا كان من الواجب عليهم نفى وجود الخالق لأن هذا هو مؤدى هاتين الدرجتين.
    المقياس الإستدلالى الثالث يستدل على وجود الظاهرة محل الدراسة بأحد آثارها التى يمكن إجراء تجارب ومشاهدات عليها (الإستدلال على وجود الإلكترونات عن طريق بعض آثارها) ، والمقياس الإستدلالي الرابع يستدل على وجود الظاهرة محل الدراسة عن طريق وجود أحد القرائن غير المباشرة التى تؤيد بعض الفروض النظرية لتفسير الظاهرة ، وذلك فى غياب تحقق شروط المقياس الثالث. وكلا المقياسين للإستدلال العلمى ينتهيان بنفى وجود الخالق وبالتالى رفض إى إيمان مسبق بأى نصوص ذات طبيعة دينية (أى لا يمكن إختبار مدى صحتها فى المختبر) ، فإذا آمن الإنسان إيماناً مطلقا بصحة هذين المقياسين للإستدلال العلمى وجب عليه نفى وجود الخالق ، وبالتالى رفض الدين ككل ، وإذا تخلى الإنسان عن إيمانه المطلق بصحة هذين المقياسين للإستدلال العلمى كان من الممكن أن يعتقد بوجود الخالق عن طريق الإيمان المطلق ولكن ينبغى عليه فى نفس الوقت أن ينزل كل ما تم الإستدلال عليه بهذين المقايسين منزلة النظريات لا الحقائق ، وبالتالى فلن يمكنه المقارنة (التى تقتضى المساواة بين المقتضيات) بين النص العلمى (الذى أصبح بالنسبة له نظرية) وبين النص الدينى

  2. هذه التسلسلية في الطرح يمكن الاتفاق عليها من ناحية انه لايمكن استخدام الاطار العلمي الحديث للمقارنة مع الايات القرانية و تفسيرها على انها اعجاز علمي. حيث ان الاطارين تماما مختلفين و لايمكن ان نقارن او نقيس بالمختلقات . لكن هل يوجد عائق من ان نرى الحقيقة بمنظارين مختلفين. الحقيقة هي الحقيقة و ان تعددت وسائط الوصول اليها.
    نحن المسلمون نتفق على أن القران هو كلام الله ذو الحقيقة المطلقة
    و من ايماننا المطلق بذلك نرى ان القران عندما يقدم تصور لمخلوف من مخلوفات الله فهو التقديم الحقيقي المطلق لهاذا المخلوق… فد يكون التقديم لجزء من المخلوق و لكن التقديم هو الحقيقة المطلقة لذلك الجزء. من هذا الطرح ارى ان القران هو ايضا وسيط لفهم الحقائق المخلوقة مع التذكير دوما ان ما ياتي به هو مطلق الصحة.
    بالجانب الاخر العلم الحديث يمثل اطار لفهم المخلوفات بادواته التي شرحتها سابقا في مقالك . غير ان هذا الوسيط هو اطار يفسر الموجودات بفرضيات و نظريات لا ترقى لمرحلة الاطلاق في غالب الاحيان او يمكن القول اننا لايمكن ان نحكم بالاطلاق على هذه التفسيرات . هذا لا يلغي ان العلم الحديث يقدم صورة اكثر قربا لحقيقة الموجود (المخلوق).
    مع الاستمرار التراكمي للعلم الحديث سيزداد الاقتراب من التصور الحقيقى للموجود لكن هذه الحالة هي حالة استمرارية لا نهاية لها. لأن قواعد العلم الحديث هي التي كونت هذه الحالة التفاضلية.
    بغض النظر عن هذا القصور يمكننا القول ان تفسيراتها قابلة لتكوين صورة مقاربة.
    ما اريد تلخيصه ان الموجودات لها حقائق مطلقة … الدين يفسر هذه الحقائق او جزء منها بصورة مطلقة الصحة .. اما العلم فيحاول تفسير هذه الموجودات باطار مختلف قاصر عن الوصول للاطلاق و ان كان يقترب منه .

    الخطا ان نقول ان الدين قد جاء مطابقا لما اكتشفه العلم و لكن يمكننا القول ان العلم افترب من تفسير حقيقة موجود (بأدوات العلم و اطره ) حيث ان هذا الموجود له تفسير مطلق في الدين.

    مثال على ذلك في ذكر الله في سورة البقرة ( ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها….) في هذا النص هناك كلمة فوقها التي تحمل عدة استدلالات.. في ما يخص محور حديثنا فان هذا النص يقدم على ان هناك ما هو فوق البعوضة … هنا لدينا حقيقة موجود حقيقة مطلقة … كذلك في قوله تعالى (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ) هنا كلمة برزخ قد تحمل دلالات اخرى و لكن ايضا فهي تحمل دلالة على حالة موجود و وصفه وصفا حقيقيا مطلقا …. لو قدمنا الى جانب الاطار الاخر اقصد الاطار العلمي لوجدنا ان العلم بالتجريب توصل الى فرضية ان الانهار و البحار مياههما لا تمتزجان … ما توصل له العلم هنا هو تفسير جزءي مرحلي لحقيقة الموجود لا يتصادم مع التفسير المطلق و سيبقى العلم يقترب من التفسير المطلق الى ما لا نهاية … غير ان التفسير المطلق في القران جاء بلفظ برزخ و الذي ينتهي عنده التفسير … حيث لا يمكن ان يكون برزخ هو فاصل و لكن جزء منه و لا يمكن ان يكون برزخ هو عازل و لكن قد يكون جزء منه … و هكذا الى نهاية لا يعلمها إلا الله … فتفسير برزخ هو برزخ و من هنا جاء التقديم الاطلاقي للموجود.

    فما المانع من ان يتم رؤية الموجود بوسيطين مختلفين و عندما يقترب الوسيط العلمي التجريبي من تقسير حقيقة الموجود نقارنها بما هو لدينا مو تفسير مطلق للموجود علما اننا نؤمن ان التفسير العلمي قاصر عن ادراك الحقيقة المطلقة بغض النظر عن سبب هذا القصور . كما ان الدلالات التفسيرية للموجودات (المخلوقات) في الدين لا يمكن انكارها. فهناك في النهاية حقيقة .. الا و هي الموجود ( المخلوق ) ذاته.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: