مقدمات التغريب – 1

إن الحديث عن العلم الطبيعي فى العصر الذي نعيشه الآن يعكس تحديات عديدة ، كل منها يمس بشكل أو بآخر الصراع الحضاري الحتمي بين الإسلام والغرب ، ويقف التاريخ بشموخ شاهداً على حتمية هذا الصراع بالرغم من كل الدعاوي الجوفاء والخطب الرنانة التي تتحدث عن “التعايش” و “تقبل الآخر” وما إلي ذلك ، فمنذ بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه ونشأة الدولة الإسلامية فى المدينة إلى يومنا هذا والغرب بأجنحته الفكرية والعقدية المختلفة يرفض قيم الإسلام التي تتمحور حول الخضوع الفكري والعقدي لله سبحانه وتعالي ، بل ويتعدي هذا الرفض ليصل إلى مرحلة الصراع الأيدولوجي ثم الإقتصادي والعسكري فى نهاية المطاف ، والحملات الصليبية تعتبر من أهم الأمثلة التارخية التي تدل على حتمية الصراع بين الإسلام والغرب بكل أجنحته الفكرية ، سواء فى ذلك الدينية النصرانية ، أو اليهودية ، أو الإلحادية.

والجناح الفكري الإلحادي الذي ظهر فى الغرب فى بداية ما يسمي بعصر التنوير – أو بتعبير أدق عصر التخلص من ظلمات الكنيسة – فى القرون السطي قد كتب له النجاح والسيادة والهيمنة على الفكر الغربي بكافة جوانبه منذ القرن التاسع عشر وإلي يومنا هذا ، فبينما سعي البروتستانت إلي التأقلم مع العلوم الطبيعية الحديثة التي أثبتت عدم قدسية العهدين القديم والجديد واستحالة كونهما من عند الله ، وقف الكاثوليك فى مواجهة هذا السعي بالإصرار على قدسية هذين الكتابين مما حدا بالكنيسة إلى الإنعزال والإنكفاء على الذات مما جعل بابا الفاتيكان يفقد تقريبا كل نفوذه وسلطته على الجماهير النصرانية فى البلاد الكاثوليكية ، ثم تم بعد ذلك استدراج البروتستانت عن طريق المذاهب الإنجليكانية والميثوديست إلي التحول بشكل شبه كامل إلى مؤازرة اليهودية الصهيونية ، وعلى الجانب الآخر وقف الإلحاد العلمي الذي يقوم على فرضية إنكار الخلق كأكبر المذاهب الفكرية رسوخاً وشموخا وقوة فى الغرب ،ذلك لأن أتباع الإلحاد العلمي يرون أن مذهبهم هو نتاج مباشر للثورة العلمية الحداثية التي صنعها الإنسان وبالتالي فهي غير مفروضة على البشر بفعل قوي “غيبية” كباقي الديانات ، مما يجعلها محصنة ضد الإنهيار بفعل الإكتشافات العلمية الحديثة كما حدث للنصرانية بمذهبيها ، أي أن الملاحدة يرون قوة الإلحاد العلمي فى قدرته على التشكل والتغير بما يناسب الإكتشافات العلمية المستقبلية ، ولا يوجد فى هذا المذهب سوي عقيدة واحدة يجب على الملحد الإيمان بها وهي : رفض فكرة الخلق ووجود الخالق ، وهي على الرغم من محاولة الكثيرين تصويرها بأنها أمر علمي يمكن الإستدلال عليه وإثباته إلا أن قواعد الفلسفة ونظرية المعرفة تؤكد أن رفض وجود الخالق مجرد “عقيدة دينية” أي أنها لا يمكن الإستدلال عليها بقواعد العلم التجريبي ولا بالعقل المطلق

مما سبق يمكن القول بأن الصراع الحتمي بين الإسلام والغرب يفرز فى العصر الحالي صراعاً حتميا بين الإسلام والإلحاد العلمي بجانب الصراع الأقدم بين الإسلام فى جبهة واليهودية والنصرانية فى جبهة أخري ، والثراع بين الإسلام والإلحاد العلمي قائم فى الدول الإسلامية كصراع فكري بدأ مع عصر الإحتلال الأوروبي للبلاد الإسلامية فى القرن الثامن عشر ، وبدأ بشكل خاص فى مصر مع الإبتعاث الحكومي لطلبة الأزهر إلى فرنسا فى عهد محمد علي سرششمة الذي تواطئ مع الإحتلال الفرنسي وخدع شيوخ الأزهر فى ذلك الوقت وتولي أمر مصر لكي يمهد لمائتي عام من الإحتلال الفكري والثقافي ، يقول فضيلة الأستاذ الشيخ محمود شاكر فى كتابه “رسالة فى الطريق إلي ثقافتنا”[1]:

” كان محمد علي سرششمة هذا ، الذي أسند إليه أمر ولاية مصر فى سنة 1805 م (1220 هــ) فى الخامسة والثلاثين من عمره وكان جاهلا لم يتعلم قط شيئاً من العلوم وكان لايقرأ ولا يكتب وقضي أكثر عمره تاجراً يتاجر فى الدخان (الطباق) ثم انضم إلى الجند ولكنه كان ذكيا داهية عريق المكر ، يلبس لكل حالة لبوسها ، وكان مغامراً لا يتورع عن كذب ولا نفاق ولا غدر ، وفى أثناء مقامه فى مصر من سنة 1801 إلى سنة 1805 يراقب اضطراب الأمور واختلال غدارتها وبنظره الثاقب وذكائه خالط المشايخ والقادة والمماليك الذين حاولوا العودة إلي ولاية الأمور فى مصر ، فنافقهم جميعا ، وأظهر لجميعهم المودة والنصح وسلامة الصدر حتي انخدع به المشايخ والقادة وآثروا ولايته على ولاية المماليك فنصبوه واليا على مصر وعلى رأس من انخدع به السيد عمر مكرم أكبر قائد للمشايخ والجماهير فبذل كل جهده فى إسناد ولايته إليه ، وكان ما أراد الله أن يكون

فلما بدأت جحافل الإبتعاث تفد علي بلاد الغرب ، بغير حصن فكري وثقافي ولا عتاد علمي يمنع هؤلاء المبتعثين السذج من الإنبهار والسقوط فى دائرة التحلل الديني والثقافي ، بدأ الإستطدام بين الإسلام والإلحاد الغربي عند عودتهم إلي مصر ، وبدأ الجهال من هؤلاء الأزاهرة فى تصوير التقدم العلمي الذي سيطر على عقولهم فى بلاد الغرب بأنه منتهي المراد وغاية المقصود من حياة الإنسان ، بل وتصور بعض هؤلاء أن فى هذا التقدم المادي الغربي ذرائع لنقض الكثير من أحكام الإسلام والتحلل من قدسية الوحيين ، وذلك بحجج خائبة كتغير الفتوي بتغير الزمان ومواكبة الشريعة لكل العصور وما إلي ذلك من الشعارات الرنانة الجوفاء ، مما ساعد على نشر هذا الفساد الثقافي الدعم السياسي من محمد علي سرششمة وخلفاؤه لهؤلاء المستغربين بدوافع عديدة من الدول الأوروبية ، أهمها إضعاف الخلافة والتمهيد للنظام العالمي الجديد الذي كان محل النقاش والمشاورة فى الدوائر السياسية والعسكرية والثقافية الغربية فى أثناء عصر الإحتلال العالمي خاصة بعد الحروب العديدة التي خاضتها بلاد أوروبا ضد بعضها البعض ، فكان هذا السرششمة ومعظم أبناؤه من أخلص خدام الصليب الغربي ومن أكثر جنود أوروبا ولاء لسياستها فى المشرق العربي

نعود إلى المستغربين العائدين من أوروبا ، فإن السبب الرئيسي – فى حقيقة الأمر- فى الإنبهار الثقافي والعلمي الذي سيطر على عقول هؤلاء المستغربين يرجع إلى تفريط العثمانيين فى آخر زمانهم فى نشر العلم والتقدم فى ربوع سلطنتهم ، وإلى تقصيرهم فى إنشاء الجامعات والمعاهد العلمية التي تواكب ما يحدث فى الغرب من ثورات علمية وثقافية وأدبية ، بالإضافة إلى توقف التنمية فى الدول التابعة للعثمانيين ، فبدأت مدن تلك الدول فى التجمد والتحفر عند زمن معين لم تفارقه ، وأصبحت الدول الإسلامية متأخرة عن مثيلاتها الأوروبية بعشرات الأعوام من عمر العلم والتنمية ، فنشأ هؤلاء المبتعثين فى زمان غير الزمان الذي يعيشون فيه ، وافتقدت عقولهم الإعداد العلمي والثقافي المناسب لذلك العصر مما مهد لانبهارهم المكلق بما عايشوه وعاينوه عند الأوروبيين ، ومر هذا الإنبهار القاتل بعدة مراحل كان أولها مرحلة الترجمة ، حيث عمد هؤلاء المبتعثين بعد عودتهم من أوروبا – بتوصيات من محمد علي وخلفاؤه والقناصل الأوربيين – إلي ترجمة الأعمال الأدبية الفرنسية إلي العربية ، على العكس تماما مما كان يفترض بهم ، فقد كان من المفترض أن يعمدوا إلى ترجمة الأعمال العلمية والهندسية حتي يسدوا الفجوة الحضارية بين أوروبا وبلاد الإسلام وعلى رأسها مصر ، ولكنهم عمدوا إلي ترجمة الأعمال الأدبية والفلسفية مما يشي بتواطئهم مع الغربيين وعمالتهم ضد بني دينهم ، فقد كان لهذه الأعمال الأدبية المترجمة الأثر البالغ فى سلخ الثقافة الإسلامية من مصر ، فبعد أن تجرمت تلك الأعمال ونشرت وعرضها القارئ المصري – الأجوف فى ذلك الزمان – على عقله ووعيه ، حدثت الكارثة…بدأ المجتمع يتطلع إلي تلك الشهوات التي يتمتع به نظيره الفرنسي من موسيقي وتمثيل ومسرح وأوبرا وفنون واختلاط وغير ذلك مما ورثه الفرنسيون عن الإغريق والرومان ومما هو بعيد كل البعد عن التراث العربي الذي صبغه الإسلام بصبغة التقوي والحياء والأدب ، وبدأ “المستغربون” فى مصر ينبحون طلباً لهذه الشهوات ، وكان خلفاء محمد علي فى تلك الفترة على قدر من التفريط الديني مما سمح لهم بإجابة بعض هذه المطالب.

ومع الغياب النسبي للعلوم الطبيعية عن المعاهد والمدارس المصرية فى ذلك الوقت ، والغياب الكلي لترجمة الأعمال العلمية الطبيعية الأوروبية إلي العربية ، تكون وعي زائف عند الطبقة المثقفة فى مصر يقضي بأن السر فى التقدم والتفوق الغربيين يكمن فى أسلوب الحياة والنظام الإجتماعي بدلاً من أنه يكمن فى التقدم فى العلوم النظرية والتطبيقية ، وبدأ رجال تلك الطبقة يرسلون أبناءهم بأعداد ضخمة إلي فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسائر بلاد أوروبا لكي يحوزوا هذا السر العظيم “الحياة الأوروبية” ثم يعودوا به إلي مصر ، وكان ذلك فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وساعد علي هذا التحلل الأيدولوجي والسقوط الخلقي وجود بعض “المنافقين” من أصحاب المذاهب الدينية الباطلة والديانات الباطنية فى حرم الأزهر الشريف ، فكان لهم الأثر البالغ فى تبرير هذه الحملة التغريبية وإلصاق محتوياتها بالدين بمعسول الكلام والمنطق الفاسد ، فكانوا يبررون دعوات السفور بمواكبة العصر واحتياج المرأة إلى الخروج ومخالطة الناس ، بينما شرع النقاب أصلا لهذا الهدف ! فالمرأة التي تبقي ببيتها لا يلزمها الحجاب ولا النقاب بل يلزمان النساء عند خروجهن من بيوتهن ، وكانوا يبررون دعوات الموسيقي والمسرح والتمثيل بأنه من “اللهو المباح” بينما تحرم المذاهب الأربعة مثل هذه الأمور ، وكان ممن يتزعم هؤلاء المنافقين الماسوني جمال الدين الأفغاني [2] الذي كان يتزعم الإختراق الفكري والثقافي بل والإستخبارتي البريطاني داخل الدولة العثمانية ، والغريب أنه بالرغم من افتضاح حقيقة هذا الماسوني الأفغاني إلا أنه لازال الكثير من الكتاب العرب والمصريين بشكل خاص يسمونه بــ”المصلح” مما يشى بمدي تأثير فكر الأفغاني إلي يومنا هذا…

يتبع

___________

المراجع

[1] محمود محمد شاكر ، 1991 “رسالة فى الطريق إلي ثقافتنا” ، الطبعة الثالثة ، دار الهلال

[2] موفق بني المرجة ، 1984 “صحوة الرجل المريض – السلطان عبد الحميد الثاني والخلافة الإسلامية” دار الكويت للطباعة

Posted on 27 يناير 2011, in Uncategorized, فلسفة الرياضيات, ميكانيكا الكم, ماهية الكون, متعدد الأكوان, نقد العلوم الحديثة, نظرية المعرفة, الفكر المتحرر, الفوضى, الفيزياء الفلكية, الفيزياء الكونية, الليبرالية, النظرية النسبية, الأكوان المتعددة, الإلحاد, الإسلام, الإعجاز العلمي, التقدم العلمى, التنوير, التطرف الغربى, الحداثة, الحضارة الإسلامية, الحضارة الغربية, الطاقة المظلمة, العلم التجريبى, العالمانية, بداية الخلق, علم الفلك, عصر التنوير and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليقاً .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: